استيقظت ليبيا على خبر بدا في ظاهره حادث طيران مأساويًا، لكنه سرعان ما تحوّل إلى حدث سياسي بالغ الحساسية: مقتل رئيس أركان الجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية، الفريق أول محمد الحداد، إثر تحطم طائرة أثناء عودته من زيارة رسمية إلى تركيا.
الواقعة، التي حدثت خارج الأراضي الليبية، وفي توقيت سياسي وأمني دقيق، دفعت مراقبين إلى طرح أسئلة تتجاوز أسباب الحادث التقنية، نحو تداعياته على مشهد ليبي هش، يقوم منذ سنوات على توازنات دقيقة بين الشرق والغرب، وبين الفاعلين المحليين والرعاة الإقليميين والدوليين.
ما الذي نعرفه رسمياً عن مقتل رئيس اركان الجيش الليبي؟
بحسب البيانات الصادرة عن السلطات الليبية والتركية، أقلعت الطائرة من أنقرة متجهة إلى طرابلس، قبل أن يبلّغ طاقمها عن عطل فني ويطلب هبوطًا اضطراريًا. لاحقًا انقطع الاتصال بالطائرة، قبل أن تتحطم في منطقة قريبة من العاصمة التركية، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها، وبينهم شخصيات عسكرية رفيعة.
وأكد الجانبان فتح تحقيق مشترك، واستعادة الصندوق الأسود، مع التشديد على أن أسباب الحادث لا تزال قيد الفحص الفني، دون وجود أي إعلان رسمي يشير إلى عمل عدائي متعمّد.
لماذا يثير الحادث كل هذا الجدل السياسي؟
في دول مستقرة، يصنَّف مقتل رئيس اركان الجيش الليبي في حادث طيران ضمن خانة المآسي الوطنية. أما في ليبيا، حيث تتشابك السلطة بالسلاح، والسياسة بالولاءات المسلحة، فإن غياب شخصية بحجم رئيس الأركان يتجاوز البعد الإنساني إلى حسابات النفوذ.
محمد الحداد لم يكن مجرد ضابط رفيع، بل كان يشغل موقعًا محوريًا في هيكل القيادة العسكرية في غرب ليبيا، وارتبط اسمه، وفق تقارير أممية، بمحاولات توحيد المؤسسة العسكرية، وهو الملف الذي تعتبره الأمم المتحدة مفتاح أي تسوية سياسية مستدامة.
غيابه المفاجئ يفتح فراغًا في قمة الهرم العسكري، ويطرح أسئلة داخل معسكر الغرب نفسه:
من يخلفه؟
ومن يحظى بالقبول المحلي والدعم الخارجي؟
وهل ينجح هذا المعسكر في الحفاظ على تماسكه؟
ليبيا المنقسمة: توازن هش لا استقرار حقيقي
تعيش ليبيا منذ سنوات على واقع الانقسام بين:
شرق البلاد: حيث يسيطر المشير خليفة حفتر و”الجيش الوطني الليبي” على بنية عسكرية أكثر تنظيمًا، ونفوذ ممتد في الجنوب ومناطق نفطية.
غرب البلاد: حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مستندة إلى شرعية دولية، لكنها تعتمد ميدانيًا على تحالفات متغيرة بين تشكيلات مسلحة وكتائب محلية.
هذا الواقع لا يعكس استقرارًا، بل ما يصفه دبلوماسيون بـ”تجميد الصراع”، أي هدنة غير مضمونة، قابلة للانفجار عند أول اختلال في ميزان القوة.
الرعاة الخارجيون: ليبيا كساحة مصالح
لا يمكن قراءة مقتل رئيس اركان الجيش الليبي بمعزل عن الدور الخارجي في ليبيا، حيث تحوّلت البلاد منذ عام 2014 إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي:
تركيا: الداعم العسكري والسياسي الأبرز لمعسكر طرابلس منذ 2019، مع وجود اتفاقات دفاعية وتعاون عسكري مباشر. زيارة الحداد إلى أنقرة جاءت في هذا السياق، ما يمنح الحادث حساسية إضافية.
روسيا: ارتبط نفوذها بشكل أوضح بمعسكر الشرق، خاصة في مناطق الجنوب والهلال النفطي، ضمن حسابات أوسع تتصل بالبعد الإفريقي.
مصر والإمارات: يشار إليهما تقليديًا كداعمين لمعسكر الشرق، في إطار مواجهة الفوضى المسلحة والإسلام السياسي.
قطر: داعم سياسي لمعسكر طرابلس.
الأمم المتحدة والدول الغربية: تركز على دعم المسار السياسي والمؤسسات المعترف بها دوليًا. دون قدرة حقيقية على إنهاء الانقسام أو فرض الانتخابات.
ضمن هذه الشبكة المعقّدة، يصبح أي تغيير في رأس القيادة العسكرية حدثًا يتجاوز الحدود الليبية.
سيناريوهات ما بعد الحادث: من منظور تحليلي، يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية دون القفز إلى استنتاجات غير مدعومة:
حادث فني بحت: وهو السيناريو الأكثر شيوعًا عالميًا. ويحسم عبر التحقيق الفني في سجل الصيانة. والجهة المشغّلة للطائرة، ومسار الرحلة، ومحتوى الصندوق الأسود.
إهمال إداري أو خلل تشغيلي: في حال ثبوت قصور في إجراءات السلامة أو التعاقد على طائرة غير مستوفية للمعايير. قد يتحول الحادث إلى أزمة سياسية داخل معسكر الغرب نفسه.
عمل تخريبي متعمّد : وهو السيناريو الأكثر إثارة، لكنه الأصعب إثباتًا. ولا يمكن اعتماده دون أدلة تقنية واضحة أو معلومات استخباراتية موثقة.
ارتدادات سياسية غير مباشرة: حتى دون وجود عمل عدائي، فإن غياب الحداد قد يربك مسار توحيد الجيش. ويؤخر أي تفاهمات عسكرية، وهو بحد ذاته تأثير سياسي كبير.
ماذا بعد؟ الدبيبة وحفتر أمام لحظة اختبار
على المدى القريب، يواجه معسكر الغرب اختبارًا حاسمًا:
إما ملء الفراغ بسرعة بشخصية تحظى بإجماع نسبي ودعم الحلفاء. أو الدخول في صراع نفوذ داخلي بين التشكيلات المسلحة، وهو السيناريو الأخطر.
في المقابل، قد يقرأ معسكر الشرق الحدث بوصفه فرصة لإعادة التموضع سياسيًا، أو لتعزيز موقعه في ملفات النفط والمؤسسات السيادية.
رسمياً: ما جرى هو حادث طيران قيد التحقيق.
سياسيًا: ما جرى قد يكون نقطة تحوّل في توازن هش، تعيش عليه ليبيا منذ سنوات.
وفي بلد لم تُحسم فيه الأسئلة الكبرى بعد، من الانتخابات إلى توحيد الجيش. فإن سقوط طائرة واحدة كفيل بإعادة ترتيب المشهد، أو على الأقل تحريك قطع الشطرنج على رقعة شديدة التعقيد.
ويبقى السؤال مفتوحًا، إلى أن ينطق الصندوق الأسود:
هل كان ما حدث مجرد مأساة جوية؟
أم بداية فصل جديد في صراع لم يُكتب له بعد أن ينتهي؟