هل خلافات اليوم أكثر حدة فعلاً أم أن الكاميرا فقط أصبحت أقرب؟
صفاء الشبلي
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي شريكاً أساسياً وفاعلاً في خلافات الفنانين ومشكلاتهم بل إن جمهور السوشيال ميديا أحياناً يصنع الأزمة ويضخمها ويأخذ صف فنان ويعلق “المشانق” للآخر.
بل إن الفنانين أنفسهم أصبحوا يتعاملون مع مشكلاتهم وخلافاتهم ويعلنونها عبر ذلك الفضاء. وكما يقولون “مبقاش في حاجة بتستخبى” فهذا فنان على خلاف مع زوجته وذلك قد طلق زوجته وعلى علاقة بفنانة أخرى، وتلك الفنانة رفضت عرضاً للزواج من رجل أعمال. وذاك يعيش قصة حب.
لم نعد في حاجة لكتابة الأحرف الأولى من اسم الفنان لنعرف ماذا يفعل في حياته الخاصة وما تعليقه على خلاف بينه وبين زميل آخر. فبتصفح بسيط لحسابات الفنانين على وسائل التواصل الاجتماعي ستعرف ماذا يفعل وكيف يفكر ومع من أنهى علاقته للتو. ومع صعود السوشيال ميديا تغير المشهد بالكامل فلم تعد الخلافات تحتاج إلى مؤتمر صحافي أو بيان رسمي يكفي “ستوري” أو “تغريدة” لتشتعل المنصات، ويبدأ الهجوم على طرف ودعم آخر.
مسلسل “مناعة” والخلافات بين الفنانة مها نصار والفنانة هند صبري
مؤخراً نشأ خلاف امتد للتجريح الشخصي بين الفنانة مها نصار والفنانة هند صبري داخل كواليس مسلسل “مناعة” المنتظر عرضه في موسم رمضان 2026، حيث نشرت الأولى منشوراً اتهمت فيه هند صبري بالغيرة والحقد، وبعد ساعات قامت نصار بحذف المنشور بعد تدخل أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية.
ودون أي تعليق من هند صبري انتشرت أخبار تؤكد وقوع الطلاق بين حسين المنباوي مخرج العمل ومها نصار، ربما ذلك الخلاف داخل الوسط الفني ليس الأول ولن يكون الأخير من نوعه، ويفتح التساؤل كيف تغيرت خلافات الفنانين بين الماضي والحاضر، وهل أصبحت خلافات الفنانين عرضاً مباشراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما قد يؤثر في فكرة “الهيبة” وغياب فكرة النجم الأسطورة.
خلافات الماضي.. تنافس الكبار
قديماً كانت خلافات الفنانين تنشأ غالباً داخل مواقع التصوير أو في كواليس أعمالهم ولم يكن فنانو الزمن الجميل يتحدثون عنها بشكل مباشر حتى وإن وصلت للصحافة وكانت تظل حبيسة الكواليس وتتحدث عنها الصحافة على استحياء.
من تلك الخلافات التوتر المعروف بين فاتن حمامة مريم فخر الدين، التي قالت إن الخلاف الرئيس بينهما بسبب لقب “سيدة الشاشة العربية”، لأنه من وجهة نظرها ففاتن حمامة لا تستحق اللقب، وإن كانت هي “سيدة الشاشة”، فهل “إحنا جواري”، على حد وصفها.
كذلك، ظل الخلاف بين عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش في إطار المنافسة الفنية على الحفلات والجمهور واقتصر دور الصحافة الفنية آنذاك عبر عناوين مثيرة، تتحدث عن حجم حضور الجمهور لحفلات كل منهما دون أي تعليق من أي طرف منهما.
ولعل الخلاف الأبرز كان بين كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وكان لا يعدو كونه خلافاً فنياً بحتاً حول شكل الأغنية والتوزيع والآلات الحديثة، وانتهى بتحالف تاريخي بأغنية “إنت عمري” (1964)، التي أسست لمرحلة جديدة في الغناء العربي.
المتتبع لخلافات الفنانين في الماضي يدرك تماماً أنها تدار خلف الأبواب المغلقة. وكانت الصحافة هي الوسيط الأساسي لتلك الخلافات ولم يكن يصدر من النجوم أي شكل من أشكال التجريح لبعضهم البعض. فكانوا يخافون على صورتهم وهيبتهم في عيون جمهورهم.
السوشيال ميديا.. عرض مباشر لمشكلات النجوم
في العصر الحالي، ساعدت السوشيال ميديا في انتشار خلافات الفنانين بشكل كبير، وأصبحت “تدوينة” أو “تغريدة” واحدة من النجم عن خلاف بينه وبين نجم آخر قادرة على تحويل الأمر برمته إلى “تريند”.
من تلك الخلافات ما حدث بين محمد رمضان وياسمين صبري خلال سحور رمضاني في مارس 2025، ففي لقطة عابرة التقط الكاميرات الخلاف حين هنأته الفنانة على برنامجه “مدفع رمضان”. وقالت “مبروك يا بني”. ليرد هو بعصبية قائلاً: “إنتي مجنونة”، وتمدد عبر تصريحات ومنشورات متبادلة. فتحول الخلاف إلى مادة يومية عبر المنصات الرقمية.
من تلك الخلافات المتجددة والمتكررة التي تحدث بين فترة وأخرى التوتر بين شيرين عبدالوهاب وحسام حبيب. والتي خرجت من الإطار الشخصي إلى المجال العام عبر بيانات، ومداخلات هاتفية، ومنشورات. حتى صار الجمهور طرفاً في القصة، يتعاطف أو يهاجم ويبني آراءه بناءً على ما ينشره كل طرف، وإن كان التعاطف أكبر مع شيرين.
وعلى مستوى المنافسة الغنائية أيضاً كانت شيرين عبدالوهاب حاضرة بعد خلاف بينها وبين الفنانة أنغام منذ عام 2019. وعلى رغم أن الأخيرة قالت في تصريحات تالية إنها لا تحمل أي ضغينة ناحية شيرين عبدالوهاب. إلا أن خلافهما أخيراً صنعه جمهور الفنانتين. وقالت أنغام في لقاء تلفزيوني مع الإعلامية لميس الحديدي إنها تعتبر شيرين عبدالوهاب شقيقتها الصغرى، ولا تعرف ما سبب الخلاف بينهما، مؤكدة “أنا مركزة في شغلي بس”.
واشتد الخلاف بين الفنانتين في صيف 2025 بعد انتقادات طاولت شيرين عبدالوهاب بعد حفل “موازين” بالمغرب. وتداول جمهور شيرين اتهامات لأنغام بتمويل هجمات ممنهجة ضد فنانتهم المفضلة. وهو الأمر الذي نفته أنغام جملة وتفصيلاً، مؤكدة أنها تتعرض للظلم، مؤكدة “أنا أنغام وهي شيرين”.
ومن الخلافات السابقة يتضح أن “الفانز” هم شريك أساسي في “خناقات” الفنانين، وقديماً كان المنتج أو المخرج يتدخل لاحتواء الأزمة. بينما الآن قد يتولى “مدير السوشيال ميديا” صياغة الرد، وفي بعض الحالات. يتحول الصدام إلى وسيلة ترويج غير مباشرة ترفع نسب المشاهدة لمسلسل أو فيلم النجم صاحب الخلاف.
النجوم في الماضي كانوا يحيطون أنفسهم بهالة من الغموض. أما اليوم، فالقرب من الجمهور جزء من “الحدوتة”. لكن هذا القرب يحمل مخاطرة كل كلمة محسوبة، وكل رد فعل قابل للاجتزاء وإعادة النشر.
“خلافات” ذات طبيعة جذابة
الناقد الفني محمد عبدالخالق رئيس تحرير موقع “في الفن” يقول:
إن “التطور الذي نعيشه اليوم في وسائل الإعلام ودخول وسائط جديدة أسهل وأسرع من الوسائط التقليدية ساعد على سرعة انتشار الأخبار بما فيها أخبار الصراعات، ليس هذا فحسب، بل امتد تأثيرها إلى صنع الخبر حتى لو كان شائعة أو مجرد توقع أو قراءة لموقف، وكما نعلم فإن أخبار الفضائح أو الخلافات والصراعات ذات طبيعة جاذبة وتعد من أكثر أنواع الأخبار انتشاراً بين المتابعين لما لها من طبيعة ساخنة يحب القارئ متابعتها حتى لو من قبيل التسلية”.
ويضيف عبد الخالق لـ”29sec“، “حتى الصراعات موجودة منذ وجود الإنسان على الأرض. لكن المختلف الآن في عصر السوشيال ميديا أنها أصبحت متاحة للجميع. ويصعب إخفاؤها أو إنكارها، وتنتقل بسرعة كبيرة لمساحات أوسع مما كانت عليه في فترة الإعلام التقليدي (ما قبل السوشيال ميديا)”.
ويرى عبدالخالق أن بعض الخلافات أو حتى الفضائح في أوقات كثيرة قد تكون سبباً في تسويق عمل ما أو حتى شخص ما. سواء كانت هذه الخلافات مقصودة أو مصنوعة لغرض الدعاية أو لم تكن مقصودة ويتم استغلالها لترويج عمل ما. وهناك أمثلة كثيرة على هذا، فكم من عمل فني كانت أكبر وسائله الدعائية وجود خلاف أو أزمة بين أبطاله. وكم من شخصية محدودة الشهرة أصبحت على قمة هرم الشهرة بسبب أزمة. ويلفت إلى أن “الأمر يمكن أن يتم استخدامه كدعاية حتى لو كانت دعاية سلبية”.
هل الجمهور أصبح طرفاً في الصراع؟
بحسب رئيس تحرير موقع “في الفن”، فإن ما يميز الميديا الجديدة (وسائل التواصل الاجتماعي). أن الجمهور أصبح فاعلاً وبقوة ولم يعد ذلك الجمهور المتلقي الذي يقرأ فقط. فالآن رواد مواقع التواصل الاجتماعي يشاركون في التعليق ونقل الأخبار ونشر الإشاعات. وأصبح أداة يستخدمها كل طرف لمهاجمة الطرف الآخر واغتياله معنوياً، موضحاً “لقد أصبح جمهور مواقع التواصل الاجتماعي سلاحا خطرا ذو حدين. فيمكن أن يساعد شخصاً ويرفعه للسماء وهو نفسه يمكن أن ينقلب ويسقطه إلى سابع أرض”.
ويستطرد عبدالخالق: “مواقع التواصل الاجتماعي تسببت في كثرة الأحداث (التريندات) وسرعة إيقاعها. والفنان وجد نفسه مطالباً بالوجود بقوة وإلا ستتجاوزه الأحداث اليومية وتلقي به إلى النسيان”.
ويشرح:
“نجوم كبار قبل سنوات قليلة كانوا حريصين على الابتعاد للحفاظ على رونقهم وتسويق الجمهور نراهم اليوم يحرصون على الوجود بشكل شبه يومي على مواقع التواصل الاجتماعي. خوفاً أن يتوهوا في زحام الأحداث وينساهم الناس”.
ويبقى السؤال: هل خلافات اليوم أكثر حدة فعلاً، أم أن الكاميرا فقط أصبحت أقرب؟