- ركوب موجة التحضّر بهوية عريقة وأصيلة
- من التأسيس إلى الدولة المركزية واكتشاف الثروة
- رؤية 2030: فرصة استثمار الثروات والموارد في بناء دولة عظمى
- إدارة الأزمات: نموذج الحج خلال جائحة كورونا والتحول الرقمي
- التحول البيئي: الرياض الخضراء والاستدامة
- هيئة الترفيه والقوة الناعمة: بناء جسور التواصل الثقافي
- التحولات الاجتماعية: تمكين المرأة والانفتاح الثقافي
- تحديات التطور والاستدامة
- ثلاثة عقود من الإنجاز والقادم يتكلّل برؤية 2030
بعين الصحفية أردت أن اكتب عن يوم تأسيس المملكة، وعندما وقفت أتأمل بالمملكة العربية السعودية كدولة تأسست مثل سائر الدول العربية. لكن تمدنت بالسرعة والمعايير التي تجعلك تقف أمامها بكل احترام وشوق لمعرفتها. خصوصاً أنها دولة عربية لم تساوم على هويتها وثقافتها.
تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج فريد لدولة تخطو خطوات عملاقة نحو المستقبل. محققة تحولات جذرية في عقد من الزمن قد يستغرق قروناً في سياقات أخرى.
ركوب موجة التحضّر بهوية عريقة وأصيلة
قليل من الدول تغيّر صورتها بهذا الإيقاع المتسارع. السعودية اليوم ليست كما كانت قبل عشرة أعوام: لا اقتصادياً، ولا اجتماعياً، ولا ثقافياً. وهذا ما يجعلني ألخص بدقة المشهد الحالي للمملكة. حيث تتجاوز الإصلاحات الاقتصادية لتشمل نسيجها الاجتماعي والثقافي. مدفوعة برؤية طموحة “رؤية 2030” تهدف إلى إعادة تعريف مكانتها على الساحة العالمية.
لقد شهدت المملكة انتقالاً استراتيجياً من نموذج اقتصادي يعتمد بشكل شبه كلي على النفط إلى مشروع تنويع واسع النطاق. وهو ما يتجلى بوضوح في النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية. تعتبر هذه التحولات انعكاس لإرادة سياسية قوية ورغبة مجتمعية في التطور والتقدم.
تحتل السعودية اليوم مكانة مرموقة ضمن أكبر 20 اقتصاداً عالمياً (G20). وقد تجاوز ناتجها المحلي الإجمالي تريليون دولار في السنوات الأخيرة. ممّا يؤكد على مرونتها الاقتصادية وقدرتها الفائقة على التكيف مع تقلبات أسعار النفط العالمية . وهذا النمو نتيجة بديهية لتخطيط عميق، وتنفيذ محكم لمشاريع عملاقة تهدف إلى بناء اقتصاد مستدام ومتنوع.
من التأسيس إلى الدولة المركزية واكتشاف الثروة
إن بناء الدولة السعودية الحديثة كان عبارة عن مسار تاريخي طويل من التوحيد السياسي الذي أرسى دعائمه الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1932. هذا التوحيد تجاوز فكرة تجمع قبائل ومناطق، ووصل لتأسيس لدولة مركزية حديثة ذات مؤسسات قوية.
وبعد سنوات قليلة من التأسيس، شهدت المملكة تحولاً اقتصادياً هائلاً مع اكتشاف النفط في عام 1938، والذي تولت أرامكو السعودية مهمة استخراجه وتطويره. هذا الاكتشاف وضع المملكة في صدارة الدول المنتجة للنفط عالمياً. وهذه الحقيقة التاريخية تؤكد أن الثروة النفطية كانت نقطة تحول محورية.
حيث تمتلك السعودية اليوم من أكبر احتياطيات النفط عالمياً، بنحو 17% من الاحتياطي المؤكد عالمياً. هذه الثروة مكنت المملكة من بناء بنية تحتية قوية والاستثمار في التنمية البشرية، ولكنها في الوقت نفسه فرضت تحدياً يتمثل في كيفية استغلال هذه الثروة لبناء مستقبل مستدام لا يعتمد على مورد واحد.
رؤية 2030: فرصة استثمار الثروات والموارد في بناء دولة عظمى
تعد رؤية السعودية 2030 بمثابة خارطة طريق شاملة وطموحة، لا تهدف فقط إلى إصلاح الاقتصاد، بل إلى إعادة تشكيل المجتمع السعودي بأكمله. ترتكز الرؤية على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وكل منها يهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية محددة تضمن مستقبلاً مشرقاً للمملكة.
تنويع الاقتصاد:
“التحدي الأكبر لم يكن النمو… بل النمو خارج النفط.”
هذه المقولة تلخص جوهر رؤية 2030 الاقتصادية. فمع أن النفط كان ولا يزال المحرك الرئيسي للاقتصاد، إلا أن الرؤية تسعى بجدية إلى تقليل الاعتماد عليه من خلال تنويع مصادر الدخل وتنمية قطاعات اقتصادية جديدة وواعدة. وقد أظهرت الإحصائيات الأخيرة نجاحًا باهرًا في هذا المسعى، حيث ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية بشكل ملحوظ.
- نمو القطاعات غير النفطية:
في عام 2025، من المتوقع أن ترتفع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الاقتصاد السعودي إلى نحو 57% من الناتج المحلي الإجمالي، مدعومة بإصلاحات رؤية المملكة . هذا النمو نتيجة لجهود مكثفة في تطوير قطاعات مثل التشييد والبناء التي ارتفعت بنسبة 61%، وتجارة الجملة والتجزئة والمطاعم والفنادق . وقد حققت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 4.6% في الربع الثاني من عام 2025. مما يعكس حيوية هذه القطاعات وقدرتها على النمو المستمر .
- توسع السياحة والخدمات اللوجستية:
أصبحت السياحة ركيزة أساسية في استراتيجية التنويع الاقتصادي. ففي عام 2024، بلغ إجمالي عدد السياح في المملكة العربية السعودية 116 مليون سائح. منهم 29.7 مليون سائح وافد و86.2 مليون سائح محلي. محققين إنفاقاًً تجاوز 284 مليار ريال . هذا التوسع الهائل في قطاع السياحة ليس فقط مصدراً للدخل. بل هو أيضاً وسيلة لتعزيز التبادل الثقافي وتحسين صورة المملكة عالمياً. كما أن تطوير الخدمات اللوجستية يهدف إلى جعل المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً يربط القارات الثلاث، مستفيداً من موقعها الجغرافي الاستراتيجي.
إدارة الأزمات: نموذج الحج خلال جائحة كورونا والتحول الرقمي
“عندما اجتاح كوفيد العالم، واجهت السعودية معضلة فريدة: كيف تحمي الأرواح دون إيقاف ركن ديني عالمي؟”
كانت جائحة كورونا اختباراً حقيقياً لقدرة المملكة على إدارة الأزمات. وقد أظهرت كفاءة تنظيمية وإدارية استثنائية، خاصة في إدارة موسم الحج. الذي يعد أكبر تجمع بشري سنوي في العالم.
•تقليص أعداد الحجاج وإجراءات السلامة: في عامي 2020 و2021. اتخذت المملكة قراراً جريئاً بتقليص أعداد الحجاج بشكل غير مسبوق لضمان سلامتهم. حيث بلغ عدد الحجاج في 2019 نحو 2.5 مليون، بينما تم تقليص العدد إلى بضعة آلاف فقط في 2020 . هذا القرار الصعب كان مصحوباً بتطبيق بروتوكولات صحية صارمة وتقنيات تتبع متقدمة، مما أثبت قدرة المملكة على حماية الأرواح في ظل ظروف استثنائية.
•التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحج: لم تكتفِ المملكة بإدارة الأزمة، بل استثمرت في التحول الرقمي لتعزيز تجربة الحجاج. شهد موسم الحج 2025 تركيزاً كبيراً على التحول الرقمي وتطبيق الذكاء الاصطناعي لتقديم خدمات أفضل للحجاج. تشمل هذه التقنيات رصد تدفق المعلومات والصور، بما في ذلك لقطات من الطائرات المسيرة، للمساعدة في إدارة الحشود الكبيرة بمكة، وتوفير تطبيقات ذكية لتسهيل أداء المناسك، وتقديم خدمات صحية عن بعد . هذا التحول يعكس التزام المملكة بتسخير التكنولوجيا لخدمة ضيوف الرحمن وتوفير تجربة حج آمنة وميسرة.
التحول البيئي: الرياض الخضراء والاستدامة
تتجه المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر استدامة، من خلال إطلاق مبادرات بيئية طموحة تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية، والتشجير، وحماية المناطق البرية والبحرية. هذه المبادرات ليست مجرد استجابة للتحديات البيئية العالمية، بل هي جزء لا يتجزأ من رؤية 2030 لبناء مجتمع حيوي وبيئة مستدامة .
الرياض الخضراء: واحة في قلب الصحراء
“في مدينة صحراوية، يصبح زرع الأشجار فعلاً سياسياً بقدر ما هو بيئي.”
هذا المفهوم يجسد روح برنامج الرياض الخضراء، أحد أكبر مشاريع التشجير الحضري في العالم. يهدف البرنامج إلى زراعة أكثر من 7.5 مليون شجرة في كافة أنحاء مدينة الرياض حتى عام 2030. مما سيؤدي إلى رفع نصيب الفرد من المساحة الخضراء في المدينة من 1.7 متر مربع حاليًا إلى 28 متر مربع للفرد .
الأهداف والتأثير:
يهدف المشروع إلى تحسين جودة الحياة في الرياض، وتقليل درجات الحرارة، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز التنوع البيولوجي. كما يساهم في خفض استهلاك الطاقة سنويًا بمقدار 650 جيجاوات ساعة .
الإنجازات الملموسة
تم تدشين 25 حديقة جديدة في الرياض، تمتد على مساحة إجمالية تبلغ 274688 متراً مربعاً. وتضم مسطحات خضراء بمساحة 77368 متراً مربعاً. بالإضافة إلى زراعة 2489 شجرة . هذه الإنجازات تعكس التزام المملكة بتحويل الرياض إلى مدينة خضراء مستدامة.
هيئة الترفيه والقوة الناعمة: بناء جسور التواصل الثقافي
تعد الهيئة العامة للترفيه محركاً رئيسياً للتحول الثقافي والاجتماعي في المملكة. حيث تسعى إلى توفير خيارات ترفيهية متنوعة وعالمية المستوى. مما يساهم في تعزيز جودة الحياة وجذب الزوار من جميع أنحاء العالم.
صناعة الترفيه : فتح آفاق جديدة
“التحول الثقافي لم يبدأ بخطاب، بل بمسرح مفتوح.”
أطلقت الهيئة مواسم ترفيهية كبرى. مثل موسم الرياض، الذي أصبح علامة فارقة في المنطقة. واستقطب ملايين الزوار في نسخ متتالية، وشهد آلاف الفعاليات سنوياً من حفلات موسيقية وعروض فنية وفعاليات رياضية عالمية . هذا التوسع في قطاع الترفيه خلق فرص عمل وساهم في تغيير الصورة النمطية للمملكة وفتح قنوات جديدة للتواصل الثقافي.
الرياضة كقوة ناعمة: تعزيز الحضور العالمي
“عندما يوقّع أحد أشهر لاعبي العالم عقدًا في الدوري المحلي، فالمسألة تتجاوز كرة القدم.”
إن استقطاب لاعبين عالميين بحجم كريستيانو رونالدو إلى نادي النصر السعودي. واستضافة بطولات ملاكمة عالمية كبرى وسباقات Formula One. ليس مجرد استثمار في الرياضة، بل هو استثمار في القوة الناعمة للمملكة. هذه المبادرات تساهم بشكل كبير في تحسين صورة الدولة عالمياً. وجذب الاستثمارات والسياحة الرياضية، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية للفعاليات الكبرى .
كما أن تأثير استقطاب اللاعبين الدوليين لم يقتصر على زيادة زيارات المواقع الإلكترونية والتطبيقات. بل امتد ليشمل وسائل الإعلام الرقمية وتغيير الانطباع العالمي عن المملكة .
التحولات الاجتماعية: تمكين المرأة والانفتاح الثقافي
شهدت المملكة العربية السعودية تحولات اجتماعية سريعة وغير مسبوقة. كان لها أثر عميق على نسيج المجتمع. خاصة فيما يتعلق بتمكين المرأة والانفتاح الثقافي.
المرأة السعودية علامة فارقة في سوق العمل
لقد حققت المرأة السعودية قفزات نوعية في مختلف المجالات، مدعومة بإصلاحات تشريعية واجتماعية تهدف إلى تمكينها. ارتفعت نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل من نحو 17% قبل عام 2016. إلى أكثر من 37% في عام 2024 . كما انخفضت معدلات بطالة المرأة، ووصل معدل المشتغلات من النساء السعوديات إلى السكان إلى 31.8% . هذه الأرقام تعكس التزام المملكة بتمكين المرأة وجعلها شريكاً فاعلاً في مسيرة التنمية الوطنية. ليس فقط في سوق العمل، بل في المناصب القيادية أيضًا.
الانفتاح الثقافي للمملكة
بعد عقود من الإغلاق، عادت السينما إلى المملكة. وشهدت البلاد فعاليات فنية وموسيقية متعددة، ومعارض فنية عالمية، مما يعكس انفتاحًا ثقافيًا غير مسبوق. هذا الانفتاح لا يهدف فقط إلى توفير خيارات ترفيهية للمواطنين والمقيمين. بل هو أيضًا وسيلة لتعزيز التبادل الثقافي مع العالم، وتقديم صورة حديثة ومتطورة للمملكة.
تحديات التطور والاستدامة
أي مشروع تحوّل ضخم يحمل معه أسئلة لا تقل أهمية عن الإنجازات. فمع كل هذه الإنجازات والتحولات، تواجه المملكة العربية السعودية. تحديات تتطلب استراتيجيات مستمرة لضمان استدامة هذه التغييرات وتحقيق الأهداف الطموحة لرؤية 2030.
الاستدامة الاقتصادية: تجاوز الاعتماد على النفط
•الاعتماد المستمر على النفط: على الرغم من الجهود الكبيرة لتنويع الاقتصاد. لا يزال النفط يشكل جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية والناتج المحلي الإجمالي. التحدي يكمن في كيفية تسريع وتيرة التنويع لتقليل هذا الاعتماد بشكل أكبر، خاصة في ظل تقلبات أسعار النفط العالمية .
•ضرورة نمو القطاع الخاص الحقيقي: لتحقيق استدامة اقتصادية حقيقية، يجب تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي. يتطلب ذلك توفير بيئة جاذبة للاستثمار، ودعم ريادة الأعمال، وتطوير الكفاءات الوطنية لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة.
التوازن الاجتماعي: إدارة سرعة التغيير
•سرعة التغيير مقابل تقبّل المجتمع: إن وتيرة التحولات الاجتماعية السريعة. قد تشكل تحدياً في مدى تقبل بعض شرائح المجتمع لهذه التغييرات. يتطلب ذلك حواراً مستمراً، وتوعية مجتمعية، وضمان أن تكون هذه التحولات متوازنة ومراعية للقيم الثقافية والاجتماعية للمملكة.
ثلاثة عقود من الإنجاز والقادم يتكلّل برؤية 2030
إن المملكة العربية السعودية في خضم رحلة تحول تاريخية، تسعى من خلالها إلى بناء مستقبل مزدهر ومستدام لأجيالها القادمة. إنها رحلة طموحة تتطلب التزاماً مستمراً بالابتكار والتكيف، والقدرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص. ومع كل خطوة تخطوها المملكة، فإنها لا ترسم فقط مستقبلها، بل تساهم أيضًا في تشكيل مستقبل المنطقة والعالم.