تحول مضيق هرمز من ممر مائي يضخ خمس النفط العالمي إلى ساحة تتصارع فيها موازين القوى الاقتصادية. وبينما تدفع الأسواق العالمية ثمن الاضطراب، تكشف تحليلات اقتصادية أوردتها شبكة “سي إن إن” أن موسكو وبكين توظفان الأزمة كرافعة للمكاسب؛ فروسيا تملأ خزائنها بعوائد قياسية، والصين تسرّع خطوات ميلاد “اليوان النفطي”.
اعتمدت هذه التحليلات على بيانات صادرة عن وزارة المالية الروسية والجمارك الصينية، إضافة إلى رصد تدفقات تجارية أجرته شركة “ستون إكس” (StoneX) ومعهد “كي إس إي” (KSE)، إلى جانب تقارير صدرت عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي (PIIE).
خزائن موسكو تنتعش بمليارات الدولارات
تقدر وكالة الطاقة الدولية حجم صادرات النفط الروسي بنحو 4 إلى 4.5 مليون برميل يومياً، مع تقلبات شهرية تفرضها العقوبات الغربية واتجاه الأسواق الآسيوية.
وقبل أن تشتعل التوترات في الشرق الأوسط، كان خام الأورال الروسي يحوم حول متوسط 44 دولاراً للبرميل. لكن المشهد تغير جذرياً في مارس/آذار 2026، حيث قفز المتوسط إلى 77 دولاراً، ولامست بعض الشحنات حاجز المئة دولار.
وتكشف الحسابات المستندة إلى متوسط صادرات يبلغ 4.5 مليون برميل يومياً أن فارق السعر يضخ في الخزانة الروسية نحو 148 مليون دولار إضافية كل يوم، أي ما يتجاوز 4.4 مليار دولار شهرياً. هذه السيولة النقدية تشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد الروسي في خضم الأزمة.
وتظهر البيانات أيضاً ارتفاعاً في إقبال الأسواق الآسيوية على الخام الروسي لتعويض النقص القادم من الشرق الأوسط، مما يوسع الحصة السوقية لموسكو، دون أن يعني ذلك قدرة هذه العوائد على سد العجز المالي الروسي بالكامل.
الاقتصاد الصيني يمتص الصدمة بطاقة متجددة
تعتمد الصين على النفط والغاز بنسبة تتراوح بين 20 و28% من إجمالي استهلاك الطاقة، غير أن التوسع الكبير في مصادر الطاقة المتجددة والفحم يخفف من حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار الخام. وتشكل الطاقة المتجددة حالياً ما بين 30 و35% من توليد الكهرباء، بينما يأتي ما يتراوح بين 55 و60% من الطاقة من الفحم والغاز معاً.
واستناداً إلى تقديرات صندوق النقد الدولي حول وقع صدمات أسعار الطاقة على الاقتصادات الكبرى، يبدو التأثير السلبي على النمو الاقتصادي الصيني محدوداً عند 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويقارن هذا الرقم إيجاباً مع 0.4% للولايات المتحدة و0.7% للعديد من جيرانها الآسيويين. ويعكس هذا التفاوت مرونة هيكلية يتمتع بها الاقتصاد الصيني بفضل تنويع مصادر الطاقة واعتماده المتزايد على قطاع الطاقة المتجددة الذي بات يشكل وسادة حماية واقية من صدمات أسواق النفط العالمية.
سباق نحو “اليوان النفطي” وكسر قبضة الدولار
لم تقف بكين عند حدود بناء جدار حماية لاقتصادها الداخلي، بل استثمرت الأزمة لتعزيز نفوذها المالي والصناعي على الساحة الدولية عبر مسارين متوازيين تؤيدهما تحليلات مراكز أبحاث دولية.
فعلى صعيد النظام المالي، تتسارع وتيرة التحول نحو ما بات يُعرف بـ”اليوان النفطي”. وتفيد تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) بأن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يفتح نافذة لتسوية جانب من تجارة النفط بعملات غير الدولار، وفي مقدمتها اليوان، مدعوماً بالعلاقة الوثيقة القائمة بين بكين وطهران.
وتشير هذه التحليلات إلى استمرار تدفق شحنات النفط الإيراني إلى الصين طوال فترة الأزمة عبر قنوات دفع خارج المنظومة الغربية مثل نظام المدفوعات الصيني (CIPS)، مما يعزز قدرة بكين على تقليص ارتباطها بالدولار تدريجياً.
وتذهب تقديرات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن البيئة الحالية تشكل أرضاً خصبة لتوسيع نطاق التعامل بالعملات غير الدولارية في قطاع الطاقة. فسعي الصين وإيران المشترك للالتفاف على العقوبات الأميركية قد يعجل بوتيرة “إزالة الدولرة” عن أسواق النفط، حتى لو اقتصر الأمر في البداية على تحولات جزئية أو انتقائية.
ويؤكد تشو تشاوي، المدير التنفيذي بمعهد بكين (HSBC)، أن الأزمة الراهنة سرّعت من بلوغ الصين أهدافها الاستراتيجية، محولة قطاع الطاقة النظيفة من كونه “التزاماً بيئياً” إلى دعامة أساسية لـ”الأمن القومي” ومنصة لتوسيع النفوذ في الأسواق الدولية التي صارت تبحث عن بدائل رخيصة ومستدامة للوقود التقليدي.
فيتو بمذاق المنفعة الاقتصادية
واعتراض الصين وروسيا داخل مجلس الأمن على مشروع قرار يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز لا يمكن اختزاله في إطار المناكفة السياسية مع واشنطن فحسب. فالأرقام المتاحة تظهر أن إغلاق الممر المائي أعاد تمويل الخزانة الروسية بمليارات إضافية، وأثبت قدرة النموذج الصيني في مجال الطاقة على الصمود، ومنح بكين أوراق ضغط ثمينة قبيل أي جولة تفاوض تجاري مرتقبة مع إدارة ترامب.
وفي خضم هذه اللعبة الجيوسياسية الشائكة، تتضح معادلة جديدة: من يملك “البدائل” و”المخزون” هو وحده القادر على رسم قواعد اللعبة. فموسكو تجني سيولة استثنائية وتفتح أسواقاً جديدة لخامها، بينما توظف بكين الأزمة لتعزيز نفوذها المالي وتسريع انتقالها إلى الطاقة النظيفة مع خفض تدريجي للاعتماد على الدولار. هكذا تتجاوز أزمة هرمز كونها مجرد اضطراب في إمدادات النفط، لتصبح فصلاً جديداً في إعادة صياغة موازين القوى الاقتصادية والمالية العالمية.