واصلت أسعار الذهب تراجعها الحاد منذ منتصف فبراير الماضي، لتخسر نحو 25% من قيمتها بعد أن كانت قد سجلت مستوى قياسياً عند 5.602 دولار للأونصة في نهاية يناير، وسط تحول مفاجئ في سلوك المستثمرين تجاه المعادن النفيسة رغم تصاعد الحرب في إيران وتوسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.
فمع أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدفع المستثمرين نحو الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، إلا أن تداعيات الحرب المباشرة -المتمثلة في قفزة أسعار النفط وتجدد المخاوف التضخمية- دفعت الأسواق إلى تفضيل السيولة والأصول الأعلى عائداً على حساب المعادن الثمينة.
قفزة تاريخية في 2025 تليها تصفية حادة في 2026
وكان الذهب قد حقق واحدة من أفضل أداءاته السنوية خلال عقود في عام 2025، إذ قفز بأكثر من 60% إلى مستويات قياسية، مدعوماً بتكديس البنوك المركزية للاحتياطيات ولجوء المستثمرين إليه بحثاً عن الحماية في ظل الضبابية الاقتصادية.
لكن عام 2026 شهد تحولاً دراماتيكياً، حيث أدت الموجة الهابطة إلى تصفية سريعة للمراكز الممولة بالاقتراض في العقود الآجلة وصناديق المؤشرات المتداولة، في انعكاس حاد يناقض الدور التقليدي للذهب كملاذ آمن في أوقات الحروب.
وبحلول وقت إعداد هذا التقرير، يتداول الذهب حول 4.500 دولار (3.915 يورو)، بعد أن لامس مستوى متدنياً عند 4.100 دولار (3.567 يورو).
قوة الدولار وعوائد السندات تتفوق على جاذبية الملاذ الآمن
يقول محللون إن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وقوة الدولار شكلا رياحاً معاكسة قوية أمام المعادن الثمينة. فرغم أن الحرب في إيران رفعت أسعار النفط وعززت توقعات التضخم، إلا أن الأسواق سعرت عدداً أقل من خفض أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفدرالي، بل باتت تراهن على سياسة نقدية مشددة لفترة أطول.
ومع ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً، وتزايد قوة الدولار التي جعلت شراءه أكثر كلفة للمستثمرين خارج أميركا، شهدت الأسواق تحولاً نحو السيولة بدلاً من اللجوء إلى الأصول عالية الجودة.
الفضة تخسر نصف قيمتها
لم تسلم الفضة من موجة الهبوط الحادة، بل كانت الخسائر فيها أكثر عمقاً. فبعد أن سجلت الفضة مستوى قياسياً عند 121 دولاراً بعد يوم واحد فقط من ذروة الذهب في 29 يناير، تراجعت بنحو 50% من قيمتها إلى 61 دولاراً، قبل أن تعود لتتداول حول 70 دولاراً وقت إعداد هذا التقرير.
وكانت الفضة قد قدمت أداءً مذهلاً في عام 2025، حيث قفزت بنحو 145% مدفوعة بطلب صناعي قوي من قطاعات الألواح الشمسية والإلكترونيات والسيارات الكهربائية، إلى جانب مشتريات استثمارية كثيفة.
غير أن عام 2026 شهد تراجعاً حاداً في أسعار الفضة أيضاً، تحت وطأة العوامل نفسها المتمثلة في قوة الدولار وارتفاع العوائد، رغم أن العوامل الأساسية المرتبطة بالطلب الصناعي لا تزال توفر دعماً على المدى الأطول، وفق محللين.