غيّب الموت، اليوم الجمعة، الأديبة السورية البارزة كوليت خوري، التي حملت لواء التمرد النسوي منذ منتصف القرن الماضي، معبرةً عن هموم المرأة العربية عبر إبداعات توزعت بين الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقال الصحفي.
ورغم تضارب الروايات حول سنة ميلادها بين عامي 1931 و1937، إلا أن المؤكد أنها تلقت تعليمها الأولي في مدرسة “راهبات البيزانسسون” وأتمت دراستها الثانوية في المعهد الفرنسي العربي بدمشق، قبل أن تلتحق بكلية الحقوق في الجامعة اليسوعية ببيروت وتقطعها بسبب زواجها المبكر، لتعود لاحقاً وتنال الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها من جامعة دمشق.
كاتبة بثلاثة ألسنة ومحاضرة في الجامعة
تميزت الراحلة بقدرتها الفريدة على الكتابة بالفرنسية والإنكليزية إلى جانب لغتها العربية الأم، وهو ما أتاح لأدبها مساحة أوسع من الانتشار والتأثير. وعملت خوري كأستاذة محاضرة في قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب في جامعة دمشق، مساهمةً في تخريج أجيال من الطلبة.
ولم تكتفِ بدور المثقفة المنعزلة في برجها العاجي، بل خاضت غمار العمل السياسي بترشحها لمجلس الشعب عام 1990، حيث فازت بعضويته لدورتين متتاليتين، وقدمت خلالهما خدمات ملموسة للشارع السوري على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
“أيام معه”.. رواية أيقونية بجرأة استثنائية
شكلت روايتها الشهيرة “أيام معه”، الصادرة عام 1959، علامة فارقة في مسيرتها والأدب النسوي العربي عموماً. وحقق العمل انتشاراً واسعاً وأعيدت طباعته مرات عدة، لما حمله من رؤية جريئة ومغايرة للمشاعر الإنسانية من منظور أنثوي خالص.
وتكمن فرادة تجربة خوري في كونها إحدى رائدات التعبير عن الذات الأنثوية بصدق وحرية، بعيداً عن القيود الاجتماعية التقليدية التي كانت تكبل قلم المرأة في منتصف القرن العشرين.
وتميز أسلوبها بمزج الرقة بالعمق، والنقد الاجتماعي اللاذع بالقضايا الوطنية، مما أكسب سردها نكهة خاصة تجمع بين الوجداني والسياسي.
إرث أدبي ثري يتجاوز نصف قرن
تضم قائمة مؤلفات الراحلة تنوعاً إبداعياً لافتاً، ففي الشعر كتبت بالفرنسية دواوين “عشرون عاماً” (1957) و”رعشة” (1960). وفي الرواية أصدرت “ليلة واحدة” (1961) و”مر صيف” (1975) و”أيام مع الأيام” (1978).
وبرعت في القصة القصيرة عبر مجموعات مثل “أنا والمدى” (1962) و”دمشق بيتي الكبير” (1968) و”المرحلة المرة” (1969) و”الكلمة الأنثى” (1971).
كما وثقت سيرتها الذاتية في “معك على هامش رواياتي” (1987) و”أوراق فارس الخوري” بجزأيه، إضافة إلى سلسلة “ذكريات المستقبل” (2003-2002)، وصولاً إلى “سنوات الحب والحرب” (2006) و”ويبقى الوطن فوق الجميع” (2010) وآخر أعمالها “شخصيات في الخاطر” عام 2016.