قبل مئة عام، وتحديداً في الخامس والعشرين من يناير عام 1926، ولد في مدينة الإسكندرية طفلٌ لم يكن مقدرًا له أن يكون مجرد اسمٍ في سجلات السينما، بل أن يصبح هو السينما نفسَها؛ قصةً تروى، ووطنًا يُعاش على الشاشة.
إنه يوسف شاهين (1926-2008)، المخرج الذي امتدت مسيرته الفنية الاستثنائية والمثيرة للجدل لقرابة ستة عقودٍ، استطاع خلالها أن يدمج ببراعةٍ نادرةٍ بين الخاص والعام، ليحوّل أفلامه، وخاصةً سيرته الذاتية، إلى مرآةٍ صافيةٍ تعكس تاريخ مصر الحديث بكل تناقضاته وأحلامه وانكساراته.
نشأةٌ عالميةٌ في قلب الإسكندرية
لم تكن نشأة شاهين عاديةً، فقد ترعرع في بيئةٍ كوزموبوليتانيةٍ بامتيازٍ في الإسكندرية. وُلد لأبٍ لبنانيٍ كاثوليكيٍ وأمٍ من أصولٍ يونانيةٍ، وتحدثت عائلته خمس لغاتٍ. هذه التركيبة الفريدة منحته رؤيةً منفتحةً على العالم، وجعلت من أفلامه حوارًا دائمًا بين الهويات والثقافات. تلقى تعليمه في مدارس النخبة مثل “كلية فيكتوريا”، وهو ما صقل شخصيته وزاد من شغفه بالفنون. ورغم رغبة والديه في دراسته للهندسة، أصر شاهين على شغفه وسافر إلى الولايات المتحدة ليدرس في معهد “باسادينا بلاي هاوس” للفنون المسرحية بكاليفورنيا، ليعود بعدها حاملًا حلمًا كبيرًا بصناعة سينما مختلفةٍ.
من هوليوود إلى الواقع المصريّ: البدايات الواعدة
عاد شاهين إلى مصر محملًا بتقنيات الغرب ورؤية الشرق. ساعده المصور السينمائي ألفيزي أورفانيللي على دخول عالم صناعة الأفلام، ليقدم أول أفلامه “بابا أمين” عام 1950 وهو في الثالثة والعشرين من عمره. لكن الانطلاقة الحقيقية كانت مع فيلم “صراع في الوادي” (1954)، الذي لم يكتشف فيه فقط النجم العالمي عمر الشريف، بل قدم فيه رؤيةً سينمائيةً جديدةً تمزج بين الدراما الاجتماعية والواقعية الشعرية. ومع فيلم “محطة مصر” (1958)، أثبت شاهين قدرته على الخوض في تفاصيل حياة البسطاء، مقدمًا شخصياتٍ مركبةً لا تزال محفورةً في ذاكرة السينما المصرية.
السيرة الذاتية كمرآةٍ للوطن
يظل الإنجاز الأبرز في مسيرة شاهين هو “رباعيته السينمائية” التي اتخذت من سيرته الذاتية مادةً خامًا لرصد تحولات وطنٍ بأكمله. استخدم شخصية “يحيى شكري مراد” كقناعٍ شفافٍ لذاته، ليحكي من خلالها قصة جيلٍ بأكمله:
- إسكندرية… ليه؟ (1979): يستعرض الفيلم فترة مراهقة يحيى في الإسكندرية خلال الحرب العالمية الثانية. متناولًا أحلامه بالذهاب إلى هوليوود على خلفية التغيرات السياسية والاجتماعية الكبرى.
- حدوتة مصرية (1982): يتابع الفيلم رحلة يحيى كمخرجٍ سينمائيٍ ناجحٍ يواجه أزمةً قلبيةً. ليغوص في أعماق ذاكرته ويراجع علاقته بالسينما، والسياسة، والحياة.
- إسكندرية كمان وكمان (1990): يقدم شاهين نفسه بشخصه الحقيقي في هذا الفيلم، مستكشفًا علاقته بممثليه وبالواقع المتغير في فترة التسعينيات.
- إسكندرية – نيويورك (2004): يعود شاهين بالذاكرة إلى فترة شبابه ودراسته في أمريكا. مستعيدًا قصة حبٍ قديمةٍ ليطرح أسئلةً حول العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب.
- كانت أفلامه تأريخًا فنيًا لمصر، بدءًا من الملكية. مرورًا بثورة يوليو والناصرية، وصولًا إلى الانفتاح الاقتصادي وتحديات العولمة.
شاهين.. ضمير عصره النقديّ
لم يكتفِ شاهين بسرد الحكايات، بل كان مخرجًا صاحب موقفٍ ورأيٍ. تجلى ذلك بوضوحٍ في أفلامه السياسية التي أثارت جدلًا واسعًا. في فيلم “العصفور” (1972)، انتقد بجرأةٍ حالة الهزيمة والفساد التي أدت إلى نكسة 1967. كما قدم قراءةً تاريخيةً معاصرةً في فيلم “الناصر صلاح الدين” (1963). الذي استخدم فيه شخصية صلاح الدين كرمزٍ للقومية العربية في عهد جمال عبد الناصر. أفلام مثل “الأرض” و”عودة الابن الضال” و”المصير” رسخت مكانته كصوتٍ نقديٍ لا يخشى مواجهة السلطة أو مساءلة التاريخ.
إرثٌ خالدٌ وجوائز عالميةٌ
لم تكن عبقرية شاهين محليةً فقط، بل حظي بتقديرٍ عالميٍ كبيرٍ، وكان حاضرًا دائمًا في كبرى المهرجانات السينمائية. هذا التقدير توّج بالعديد من الجوائز المرموقة التي اعترفت بفرادته وأهمية مشروعه السينمائي.
- جائزة اليوبيل الذهبي (الإنجاز العام) من مهرجان كان السينمائي (1997) عن مجمل أعماله. (المصدر: IMDb)
- جائزة الدب الفضي من مهرجان برلين السينمائي الدولي (1979) عن فيلم “إسكندرية… ليه؟”. (المصدر: IMDb)
- التانيت الذهبي من أيام قرطاج السينمائية (1970) عن فيلم “الاختيار”. (المصدر: IMDb)
- جائزة اليونسكو من مهرجان البندقية السينمائي (2002) عن مشاركته في فيلم “11’09″01 – 11 سبتمبر”. (المصدر: IMDb)
خاتمة: شاهين باقٍ في ذاكرة السينما
في مئويته، لا يزال يوسف شاهين حيًا في وجدان عشاق السينما، ليس فقط كمخرجٍ عبقريٍ. بل كفنانٍ استطاع أن يجعل من الكاميرا أداةً لفهم الذات والوطن. لقد ترك إرثًا سينمائيًا غنيًا ومتنوعًا، وأثبت أن أكثر القصص شخصيةً هي أكثرها عالميةً. ستبقى أفلامه شهادةً حيةً على أن السينما يمكن أن تكون أكثر من مجرد ترفيهٍ. يمكن أن تكون سيرةً ذاتيةً لوطنٍ بأكمله.