حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) للمنطقة العربية، عبد الله الدردري، من أن المنطقة العربية مقبلة على مرحلة اقتصادية دقيقة تتسم بتشابك الأزمات وتعدد مصادر الضغط، في ظل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وتداعياته الممتدة على الاقتصاد والمجتمع.
في مقابلة حصرية مع “CNN الاقتصادية”، أوضح الدردري أن دول الخليج العربي تمتلك هامشاً مالياً مريحاً بفضل احتياطياتها الكبيرة وأصولها السيادية، ما يمنحها قدرة أعلى على امتصاص الصدمات الاقتصادية مقارنة ببقية دول المنطقة.
لبنان.. صدمة اقتصادية مركبة
أشار الدردري إلى أن لبنان يواجه صدمة اقتصادية مركبة، نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي، وتزايد النزوح الداخلي، وتدهور الأمن الغذائي. وأكد أن الضغوط على الخدمات العامة والطلب المحلي تتفاقم، ما يجعل البلاد تتحول تدريجياً إلى بؤرة ضغط إقليمي في ملف الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع قدرتها الإنتاجية.
مصر.. ضغوط متعددة عبر الطاقة والسياحة وتحويلات العمالة
أما في مصر، فالتأثيرات تأتي عبر قنوات متعددة، تشمل الطاقة والسياحة وتحويلات العاملين في الخارج والاستثمارات الخليجية. ولفت الدردري إلى أن ارتفاع فاتورة الطاقة يشكل ضغطاً مباشراً على الميزان الخارجي، إلى جانب تأثير ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، الذي يزيد كلفة التمويل والتجارة ويؤدي إلى تراجع الطلب المحلي.
العراق.. اختلالات هيكلية في المالية العامة
وفي العراق، بيّن الدردري أن الاقتصاد يواجه اختلالات هيكلية في المالية العامة، نتيجة الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية. وحذر من أن أي تراجع في هذه الإيرادات قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية، خاصة في ظل صعوبة تمويل الإنفاق الحكومي.
سوريا.. موقع جيو-اقتصادي محوري
وبخصوص سوريا، أشار الدردري إلى أنها تمتلك موقعاً جيو-اقتصادياً مهماً يمكن أن يؤهلها للعب دور محوري في إعادة توجيه مسارات التجارة والطاقة في المنطقة، إذا ما توفرت الظروف المناسبة.
وأكد المسؤول الأممي أن المنطقة ككل تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في كلفة التجارة والاستيراد، ما يعزز الضغوط التضخمية المستوردة، ويزيد من هشاشة الأوضاع الاقتصادية في الدول الأكثر ضعفاً.
4 ملايين إضافي تحت خط الفقر
كان تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان “التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: الآثار الاقتصادية والاجتماعية على منطقة الدول العربية” قد كشف عن مؤشرات مقلقة، أبرزها تهديد نحو 4 ملايين شخص إضافي بالوقوع في الفقر، خاصة في دول المشرق والدول الهشة مثل السودان واليمن.
كما أشار التقرير إلى توقع ارتفاع معدلات البطالة بإضافة ما بين 2.5 و3.5 مليون عاطل جديد، مع تأثر غير المهرة بشكل أكبر، في ظل دخول نحو 2.8 مليون شخص سنوياً إلى سوق العمل مقابل 2.5 مليون فرصة عمل فقط.
مضيق هرمز وقناة السويس.. تراجع قياسي
وفي جانب التجارة والطاقة، لفت التقرير إلى تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز بأكثر من 70%، وارتفاع كبير في تكاليف التأمين، إلى جانب انخفاض الملاحة في قناة السويس بنحو 50% نتيجة تحويل مسارات الشحن، كما سجل الشحن الجوي تراجعاً بنحو 40% بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
أزمة غذاء متفاقمة وارتفاع أسعار الأسمدة
أما على صعيد الأمن الغذائي، فقد ارتفعت أسعار الأسمدة عالمياً، مع زيادة أسعار اليوريا بين 60 و90 دولاراً للطن، وارتفاعها في مصر بنحو 25%. ويشكل إنفاق الغذاء ما بين 30% و50% من دخل الأسر في المنطقة، فيما يعاني نحو 17% من سكان لبنان من انعدام أمن غذائي حاد.
وأشار التقرير كذلك إلى الضغوط المتزايدة على القطاع الصحي في لبنان، مع إغلاق 43 مركزاً صحياً ومستشفيين، إضافة إلى عودة أكثر من 570 ألف لاجئ سوري من لبنان، بينهم أكثر من 65 ألفاً خلال أسبوع واحد.
تحويلات المغتربين في خطر
وفي سياق متصل، تلعب تحويلات المغتربين دوراً حيوياً في اقتصادات عدة دول عربية، حيث تشكل نحو 33% من اقتصاد لبنان، و8 إلى 9% في الأردن، و6 إلى 8% في مصر، ونحو 6% في المغرب، مع مخاطر حقيقية لتراجعها في ظل الظروف الراهنة.
وختم الدردري بالتأكيد أن المرحلة الحالية تتطلب استجابات سياسية واقتصادية مرنة، وتعزيز التعاون الإقليمي، لتخفيف حدة الصدمات وحماية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمعات العربية.