أصدرت دائرة جنايات أمن الدولة العليا (الدائرة الأولى إرهاب) بمحكمة جنوب القاهرة، اليوم الثلاثاء، حكماً نهائياً يقضي بالسجن المؤبد (25 عاماً) على القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين محمود عزت، بصفته القائم بأعمال المرشد العام، و36 متهما آخرين، وذلك في القضية المقيدة برقم “التخابر مع دول أجنبية”.
وشمل منطوق الحكم إدراج جميع المحكوم عليهم نهائياً على جداول قوائم الإرهابيين في مصر، وفقاً لأحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم 8 لسنة 2015، في حين تراوحت العقوبات السالبة للحرية الصادرة بحق متهمين آخرين في ذات الواقعة بين السجن المشدد لمدة 15 عاماً والسجن لمدد أقل، وسط إلزام مالي تضامني ضخم وتدابير احترازية ما بعد الإفراج.
تفاصيل الأحكام والعقوبات المالية
نوعت المحكمة في عقوباتها لتشمل كافة درجات المساءلة؛ حيث قضت بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً على 27 متهماً، وبالسجن المشدد 10 سنوات لـ 6 متهمين، فيما حكم بالسجن لمدة 5 سنوات على 3 متهمين آخرين.
وفي شق آخر من التفاصيل الإجرائية، قررت المحكمة الحبس سنة واحدة مع وقف التنفيذ لمتهمين اثنين، وبرّاءة متهم واحد، كما انقضت الدعوى الجنائية بحكم القانون ضد المتهمين إبراهيم منير ومحمود محمد لوفاتهما أثناء نظر الدعوى.
ولم تقتصر العقوبة على الجانب الجزائي، بل ألزمت المحكمة محمود عزت و28 متهماً آخرين بالتضامن بدفع تعويضات مدنية بقيمة 7 مليارات و54 مليوناً و734 ألف جنيه مصري، لصالح الجهاز القومي للاتصالات، تعويضاً عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالجهاز نتيجة الأفعال المنسوبة إليهم.
كما فرضت المحكمة تدابير احترازية إضافية، تمثلت في وضع محمود عزت و44 متهماً آخرين تحت المراقبة الشرطية لمدة 5 سنوات كاملة عقب انقضاء مدة عقوباتهم السالبة للحرية، وفرضت حظر إقامة على المتهم الثاني عشر علي إبراهيم في أي من المحافظات الحدودية.
إغلاق القنوات وحظر الأنشطة
امتدت آثار الحكم لتشمل البنية الإعلامية والتنظيمية للجماعة، حيث أمرت المحكمة بحظر نشاط وغلق عدد من القنوات الفضائية التابعة للإخوان، وهي: “مكملين”، و”الثورة”، و”الشرق”، و”وطن”، بالإضافة إلى غلق مقار بعض الجمعيات الأهلية التابعة للجماعة سواء داخل الجمهورية أو في الخارج.
واستندت التحقيقات في هذه القضية، التي تعود وقائعها إلى عام 2021، إلى تهم جنائية خطيرة وجهت للمتهمين شملت التخابر مع منظمات ودول أجنبية بما يمس الأمن القومي، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، والإخلال بمصالح البلاد العليا.
الآثار القانونية لقوائم الإرهاب
يأتي هذا الحكم تتويجاً لسلسلة إجراءات قانونية سابقة، حيث تم إدراج أسماء عدد من قيادات الجماعة، بينهم محمود عزت، نهائياً على قوائم الإرهابيين في مارس الماضي عبر نشر القرار في الجريدة الرسمية المصرية بناءً على أحكام قضائية باتة.
وبموجب قانون تنظيم الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015، تترتب على هذا الإدراج آثار قانونية فورية وشاملة، تشمل:
- المنع من السفر وترقب الوصول، ومنع الأجانب المدرجين من دخول الأراضي المصرية.
- سحب جوازات السفر الحالية أو إلغاؤها، ومنع إصدار أو تجديد جوازات سفر جديدة.
- حظر التعيين أو التعاقد في الوظائف العامة، أو بشركات قطاع الأعمال العام والقطاع العام.
- تجميد الأموال والأصول المملوكة للمدرجين على القائمة، وحظر تمويلهم أو جمع الأموال لهم مباشرة أو غير مباشر.
- فقدان شرط “حسن السمعة والسيرة” اللازم لتولي المناصب النيابية أو المحلية أو النقابية، وإيقاف العضوية في النقابات المهنية ومجالس إدارات الشركات والجمعيات.
- حظر ممارسة أي أنشطة أهلية أو دعوية تحت أي مسمى كان.
السيرة الذاتية لمحمود عزت
ويُعد محمود عزت، المولود في القاهرة عام 1944، أحد أقدم وأبرز قيادات الجماعة، حيث انضم إليها في سن مبكرة جداً يشير البعض إلى أنه كان في التاسعة من عمره، قبل أن يصبح عضواً رسمياً فيها عام 1962 أثناء دراسته بكلية الطب.
مسار عزت التعليمي والمهني حافل؛ فقد حصل على الثانوية العامة عام 1960، وتخرج من كلية الطب عام 1975، ثم نال درجة الماجستير عام 1980، والدكتوراه عام 1985، فضلاً عن دبلوم معهد الدراسات الإسلامية عام 1998. عمل لاحقاً كأستاذ بكلية الطب في جامعة الزقازيق.
شهد مسار عزت القانوني تقلبات عديدة؛ حيث اعتقل أول مرة عام 1965 وحكم عليه بـ 10 سنوات، ليخرج عام 1974 ويكمل دراسته الطبية. وعاد ليصبح عضواً بمكتب الإرشاد عام 1981.
واعتقل مجدداً ضمن قضية “سلسبيل” الشهيرة لمدة ستة أشهر خرج بعدها عام 1993، قبل أن يعتقل مرة أخرى عام 1995 ويحكم عليه بـ 5 سنوات بتهمة المشاركة في انتخابات مجلس شورى الجماعة وانتخابه عضواً بمكتب الإرشاد، وليخرج عام 2000.
تولى عزت تسيير أعمال الجماعة فعلياً منذ أغسطس 2013، عقب اعتقال المرشد العام محمد بديع في شقة بمنطقة رابعة العدوية، وذلك وفقاً لتقاليد الجماعة التي تنص على تولي نائب المرشد المهام في حال غياب المرشد، رغم عدم صدور قرار رسمي بتعيينه نائباً كما أوضح آنذاك المنسق الإعلامي للجماعة علاء عياد.
سجل القضايا والحكم بالإعدام سابقاً
لم تكن قضية “التخابر” هي الوحيدة في سجل عزت القضائي؛ ففي 18 أغسطس 2020، قضت محكمة جنايات المنيا غيابياً بسجنه مؤبداً هو و7 آخرين في قضية “خلية الشراينة” بتهمة التحريض على العنف وإثارة الشغب.
كما صدر بحقه في 16 يونيو 2015 حكم غيابي بالإعدام هو و92 آخرين في قضية “اقتحام السجون” وهروبهم من سجن وادي النطرون عام 2011، وقضية “أحداث مكتب الإرشاد”. وبعد القبض عليه في 28 أغسطس 2020 من شقة بالتجمع الخامس شرق القاهرة، أكدت محكمة في 8 أبريل 2021 حكم السجن المؤبد بحقه في قضايا أحداث مكتب الإرشاد والتخابر مع حركة حماس.
وفي تطور لاحق، قضت الدائرة الأولى إرهاب في 4 مارس 2024، بالإعدام شنقاً على محمود عزت ومرشد الجماعة محمد بديع، وعدد من القيادات البارزة مثل محمد البلتاجي وعمرو زكي وأسامة ياسين وصفوت حجازي وعاصم عبد الماجد ومحمد عبد المقصود، في القضية المعروفة بـ “أحداث المنصة”، في حين أيدت المحكمة اليوم استقرار حكم الحبس المؤبد الصادر ضده في قضية التخابر.
يُشار إلى أن مجلس الوزراء المصري أصدر في ديسمبر 2013 قراراً بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”جماعة إرهابية”‘، وهو ما أكدته لاحقاً في فبراير 2014 أحكام قضائية باتة ألزمت الحكومة بتنفيذ آثار هذا التصنيف، مما مهّد الطريق لسلسلة من الملاحقات القضائية التي تتوج بأحكام اليوم ضد الكيان المصنف إرهابياً وقياداته.