لم يكن تتويج المغرب بلقب كأس العرب، ولا الإنجازات المتتالية لمنتخباته السنية. ولا حتى الوصول التاريخي إلى نصف نهائي كأس العالم في قطر، لحظات منفصلة عن سياقها.
ما يبدو اليوم وكأنه طفرة رياضية، هو في الحقيقة نتيجة مسار سياسي–مؤسساتي طويل. قررت فيه الدولة المغربية التعامل مع كرة القدم لا كرياضة شعبية فقط، بل كـأداة سيادة، كما جاءت رهان استراتيجي، ومشروع وطني متكامل.
في قلب هذا التحول تقف أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تحوّلت خلال عقد ونصف من مؤسسة تكوين رياضي إلى مختبر لإعادة هندسة المجتمع عبر الرياضة.
قرار 2009: حين اختارت الدولة الاستثمار في الزمن
في عام 2009، وبمبادرة مباشرة من الملك محمد السادس، جرى إطلاق مشروع أكاديمية محمد السادس لكرة القدم في مدينة سلا. في لحظة كان فيها المشهد الكروي المغربي يعاني تذبذبًا في النتائج. واعتمادًا مزمنًا على الحلول السريعة والمدربين العابرين.
لم يكن القرار استجابة لهزيمة بعينها. ولا نتيجة ضغط جماهيري، بل جاء كخيار استباقي:
بناء منظومة لا تقيس نجاحها بعدد الألقاب السريعة. بل بقدرتها على إنتاج أجيال متعاقبة من اللاعبين المؤهلين ذهنيًا وبدنيًا وثقافيًا.
الأكاديمية، التي أُقيمت على مساحة تقارب 18 هكتارًا، لم تُصمَّم كمركز تدريب تقليدي. بل كمؤسسة شاملة:
تعليم أكاديمي، رعاية صحية، تغذية، إعداد نفسي، وتحليل علمي للأداء. والأهم، أنها حظيت منذ بدايتها بـحماية سياسية كاملة، أبقتها بعيدة عن تقلبات الإدارات والنتائج.
من التكوين إلى الهوية: كرة القدم كسياسة عمومية
مع مرور السنوات، بدأت الأكاديمية تلعب دورًا يتجاوز حدود الرياضة.
ففي بلد يعاني تحديات اجتماعية واقتصادية بنيوية، تحوّلت كرة القدم إلى أداة تمكين اجتماعي، ومسار واقعي للصعود الطبقي.
أكثر من 80% من لاعبي الأكاديمية ينحدرون من أسر محدودة الدخل.
المنظومة لا “تنتقي المواهب” فقط، بل تستثمر في الإنسان:
طفل يدخل الأكاديمية لا يتعلّم كيف يلعب. بل كيف يخطط، وكيف ينضبط، وكيف يفهم أن الاحتراف أسلوب حياة لا موهبة عابرة. بهذا المعنى، لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد لعبة، بل سياسة اجتماعية غير معلنة. نجحت حيث فشلت برامج كثيرة في خلق الأمل والانتماء.
من المعمورة إلى قطر: حين تؤتي الاستراتيجية ثمارها
بلغ المشروع لحظة الاعتراف العالمي في مونديال قطر 2022.
لم يكن الأداء المغربي مجرد مفاجأة رياضية، بل صدمة ثقافية للمنظومة الكروية العالمية.
منتخب منضبط، ذكي تكتيكيًا، متماسك نفسيًا، ويملك هوية واضحة.
عدد من ركائزه الأساسية كانوا نتاج منظومة تكوين مغربية حديثة، تشكّل الأكاديمية عمودها الفقري.
بعدها بثلاث سنوات، جاء تتويج منتخب الشباب بكأس العالم تحت 20 سنة ليؤكد أن ما حدث في قطر لم يكن ذروة عابرة، بل حلقة في سلسلة ممتدة.
كرة القدم والدولة: دعم سياسي بلا تردد
لا يمكن فهم نجاح المنظومة دون الإشارة إلى الدعم السياسي الواضح والمستمر من أعلى هرم السلطة.
ففي الوقت الذي تتعامل فيه دول كثيرة مع الرياضة كملف ثانوي. اختار المغرب إدراج كرة القدم ضمن أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الحديثة.
افتتاح مكتب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في الرباط عام 2025 لم يكن حدثًا إداريًا فقط. ممّا إشارة سياسية:
اعتراف دولي بنموذج، ومكانة إقليمية تتجاوز المستطيل الأخضر.
كما أن الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال يعكس انتقال المغرب من موقع “المشارك الطموح” إلى الشريك المتكافئ في صناعة الأحداث العالمية.
فوزي لقجع: إدارة بمنطق الدولة لا الاتحاد
في الخلفية، لعبت القيادة الإدارية للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم دورًا محوريًا، خصوصًا خلال العقد الأخير.
اعتمدت الإدارة مقاربة تختلف عن السائد في المنطقة:
استمرارية، مركزية القرار، وربط التكوين بالاحتراف، بدل الرهان على النتائج السريعة.
هذه الإدارة لم تُدار بمنطق “اتحاد رياضي”، بل بمنطق مؤسسة دولة. وهو فارق جوهري يفسر تماسك المشروع رغم تغير المدربين والظروف.
أكثر من كرة قدم: مشروع أمة
اليوم، حين يحتفل المغاربة بلقب عربي جديد، أو إنجاز قاري. فهم لا يحتفلون بنقاط في سجل رياضي فقط، ممّا بانتصار نموذج.
نموذج يقول إن:
- الاستثمار في التكوين يتفوّق على الصفقات السريعة
- التخطيط طويل الأمد يهزم العشوائية
- والرياضة، حين تُدار كسياسة عامة، قادرة على إعادة تشكيل صورة بلد بأكمله
بهذا المعنى، لم تعد كرة القدم في المغرب شغفًا جماهيريًا فقط. بل لغة دولة. ومشروع أمة قررت أن تراهن على نفسها… وكسبت الرهان.