استهلكت القوات الأمريكية والإسرائيلية، خلال أول 16 يوماً من الحرب مع إيران، أكثر من 11 ألف ذخيرة بتكلفة تقارب 26 مليار دولار، في مشهد كشف عن تحول استراتيجي خطير: التفوق العسكري لم يعد كافياً بلا قدرة صناعية على تجديد المخزونات بسرعة.
وخلال عملية “الغضب الملحمي” (Epic Fury)، أطلق الجيشين الأمريكي والإسرائيلي أكثر من 5 آلاف ذخيرة في أول 96 ساعة فقط. مستشارون عسكريون أوكرانيون منتشرون في المنطقة أبدوا “دهشتهم” مما وصفوه بـ”الإطلاق المتهور” للصواريخ الاعتراضية، وفق تقرير معهد باين (Payne Institute).
المشكلة ليست في العدد الإجمالي، بل في معدل الاستنزاف غير المتكافئ. فبينما تُستخدم صواريخ بملايين الدولارات لاعتراض طائرات بدون طيار لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات، تواجه مخزونات الصواريخ الاعتراضية بعيدة المدى وأسلحة الضربات الدقيقة خطر النفاد.
مخزونات على وشك النفاد.. وأمريكا وإسرائيل في خطر
وفق تحليل المعهد:
- الجيش الأمريكي على بعد شهر أو أقل من نفاد صواريخ ATACMS/PrSM الهجومية وصواريخ THAAD الاعتراضية
- إسرائيل في وضع أكثر خطورة، مع توقعات بنفاد صواريخ “آرو” (Arrow) بالكامل بحلول نهاية مارس
أرمين بابيرجر، الرئيس التنفيذي لشركة راينميتال الألمانية، حذر في 19 مارس من أن المخزونات العالمية “فارغة أو شبه فارغة”، مضيفاً أن استمرار الحرب لشهر آخر يعني أنه “لن يكون لدينا تقريباً أي صواريخ متاحة”.
“السيطرة على إعادة التلقيم”.. المفهوم الاستراتيجي الجديد
يقول المحللون إن الحرب أثبتت أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً. المفهوم الجديد الذي تفرضه المعركة هو “السيطرة على إعادة التلقيم” (Control of Resupply): أي القدرة على تجديد الأصول الحيوية بسرعة قبل أن تفرغ المخزونات.
تستغرق إعادة تعويض ما استُهلك في 16 يوماً 5 سنوات على الأقل، وفق التقديرات. واستبدال أكثر من 500 صاروخ توماهوك أُطلقت خلال الحرب وحدها يحتاج إلى سنوات.
أزمة صناعية تعقدها الصين
تعاني القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية من اختناقات متعددة:
- مصنع هولستون (Holston) الأمريكي الوحيد للمتفجرات شديدة الانفجار لم يتلق طلبات لزيادة الإنتاج
- شركات الدفاع تتردد في زيادة الإنتاج دون التزامات تمويل حازمة، بعد أن “احترقت” بوعود سابقة لم تُنفذ
- الصين تسيطر على أكثر من 80% من إنتاج التنغستن العالمي، وفرضت ضوابط على تصدير المعادن الحيوية منذ 2023، ما يعقد تأمين المواد اللازمة لصناعة الذخائر
“ضريبة المسرح الثاني”.. ثمناً لحرب إيران
الخطر الأكبر، وفق التحليل، لا يقتصر على ساحة المعركة الحالية. فكل صاروخ اعتراضي تُطلقه القوات الأمريكية اليوم يقلل من قدرة واشنطن على الردع في مسارح أخرى، مثل حماية تايوان أو دعم أوكرانيا.
هذا ما أسماه التقرير “ضريبة المسرح الثاني” (Second Theater Tax): تكلفة الحرب تُقاس بالركود الصناعي وتراجع ثقة الحلفاء الذين قد يجدون أنفسهم في قائمة الانتظار لاستلام أسلحة وعدوا بها.
“الهزيمة الرخيصة” وفخ الاقتران
خلال 16 يوماً، أطلقت القوات الأمريكية والإسرائيلية نحو 509,500 طلقة من أنظمة C-RAM والمدافع، بتكلفة 25 مليون دولار فقط. بالمقابل، أنفقت 19 مليار دولار على الصواريخ الاعتراضية.
لكن حتى الذخيرة “الرخيصة” تواجه أزمة. استهلاك طبقة الدفاع هذه وحدها تطلب نحو 29 ألف كجم من المواد الدافعة وأكثر من 10 آلاف كجم من المتفجرات، وهي المواد نفسها التي تحتاجها الصواريخ المتطورة.
وهنا يظهر “فخ الاقتران” : سلاسل التوريد للمواد الأولية مشتركة بين الذخائر البسيطة والصواريخ المعقدة، والاختناق في أحدها يصيب الجميع.
ماذا بعد؟
يرى التقرير أن الحل لا يكمن في صلاحيات الطوارئ لتسريع حزم الأسلحة، فهذه تسرع التعاقد لكنها لا تسرع الإنتاج الفعلي. المطلوب هو التعامل مع القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية بكاملها، من الموردين الفرعيين إلى المواد المتفجرة والدافعة، كـ”بنية تحتية استراتيجية”.
الخلاصة التي يقدمها تحليل معهد باين: في الحرب القادمة، لن يفوز فقط من يملك أسلحة أفضل، بل من يستطيع تجديد مخزوناته بشكل أسرع. “السيطرة على إعادة التلقيم” هي عنوان المرحلة المقبلة.