لطالما كانت السيدة فيروز، أيقونةً فنيةً وصوتاً خالداً يلامس وجدان الملايين عبر الأجيال. صوتها الذي طالما كان مصدرَ عزاءٍ وفرحٍ. بات اليومَ يحملُ في طياته حزناً عميقاً، مع تلقيها فاجعةً جديدةً برحيل ابنها الأصغر، هلي الرحباني.
هذه الخسارةُ الأليمةُ تأتي بعدَ أشهرٍ قليلةٍ من وداعها لابنها الموسيقار زياد الرحباني. لتُعيدَ إلى الأذهانِ قصةَ صمودٍ وألمٍ تعيشها السيدةُ فيروز وعائلةُ الرحابنةِ الكريمةُ .
هلي الرحباني: الغائبُ الحاضرُ في حياةِ فيروز
وُلدَ هلي الرحباني عامَ 1958، وعانى منذُ ولادتهِ من إعاقةٍ ذهنيةٍ وحركيةٍ، ممّا جعلهُ يعيشُ حياةً بعيدةً عن الأضواءِ. تحتَ رعايةٍ واهتمامٍ خاصٍ من والدتهِ السيدةِ فيروز. لقد كان هلي جزءاً لا يتجزأُ من نسيجِ العائلةِ، وإن لم يكنْ ظاهراً في المشهدِ الفنيِّ العامِّ. رحلَ هلي عن عالمنا في العاشرِ من ينايرَ عامَ 2026. عن عمرٍ ناهزَ الثامنةَ والستينَ عاماً. بعدَ صراعٍ معَ مشكلاتٍ في كليتيهِ .
تفاصيلُ حياتهِ وإعاقتهِ
كانت حياةُ هلي الرحباني مثالاً للصبرِ والتحدي. فمنذُ نعومةِ أظفارهِ، واجهَ تحدياتٍ صحيةً جمةً، إلا أنَّ حبَّ والدتهِ وعائلتهِ أحاطهُ برعايةٍ فائقةٍ. لم تكنْ فيروزُ مجردَ فنانةٍ عظيمةٍ، بل كانتْ أماً حنوناً. كرستْ جزءاً كبيراً من حياتها لرعايةِ ابنها هلي، بعيداً عن صخبِ الشهرةِ والأضواءِ. هذه الرعايةُ الصامتةُ تعكسُ جانباً إنسانياً عميقاً في شخصيةِ السيدةِ فيروز، يضافُ إلى إرثها الفنيِّ الخالدِ.
فجيعةٌ مزدوجةٌ: من زيادٍ إلى هلي
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على تلقي السيدةِ فيروزَ وعائلةِ الرحابنةِ خبرَ وفاةِ الموسيقارِ زياد الرحباني. الذي رحلَ في السادسِ والعشرينَ من يوليوَ عامَ 2025. حتى جاءَ خبرُ وفاةِ هلي ليجددَ الأحزانَ ويعمقَ الجراحَ. هذا التتابعُ المؤلمُ للأحداثِ يضعُ العائلةَ في محنةٍ إنسانيةٍ قاسيةٍ، تظهرُ مدى قوةِ تحملِها وصمودِها أمامَ أقدارِ الحياةِ.
رحيلُ زيادَ الرحبانيِّ وتأثيرهُ
كان زياد الرحباني، وهو أحدُ أبناءِ فيروزَ وعاصي الرحباني، قامةً فنيةً بحدِّ ذاتهِ. وموسيقاراً وملحناً وكاتباً مسرحياً تركَ بصمةً واضحةً في المشهدِ الثقافيِّ العربيِّ. كان رحيلهُ خسارةً كبيرةً للفنِّ اللبنانيِّ والعربيِّ، ولعائلتهِ التي فقدتْ أحدَ أعمدتِها الفنيةِ. لقد كان زيادٌ، بشخصيتهِ الفذةِ وفنهِ المتمردِ، امتداداً طبيعياً لإرثِ والديهِ الفنيِّ، ومكملاً لمسيرتهما الإبداعيةِ.
تتابعُ الأحزانِ في بيتِ الرحابنةِ
إنَّ تتابعَ الأحزانِ في بيتِ الرحابنةِ، من وداعِ زيادٍ إلى رحيلِ هلي. يسلطُ الضوءَ على الجانبِ الإنسانيِّ لهذه العائلةِ الفنيةِ العريقةِ. هذه الأحداثُ تذكرنا بأنَّ الفنَّ الحقيقيَّ ينبعُ غالباً من تجاربَ إنسانيةٍ عميقةٍ، سواءٌ كانتْ فرحاً أو حزناً.
عائلةُ الرحابنةِ: إرثٌ من الفنِّ والألمِ
تعدُّ عائلةُ الرحابنةِ من أبرزِ العائلاتِ الفنيةِ في العالمِ العربيِّ، فقد قدمتْ إرثاً فنياً وثقافياً لا يقدرُ بثمنٍ. بدأتْ المسيرةُ الفنيةُ للسيدةِ فيروزَ، واسمها الحقيقيُّ نهاد وديع حداد، في سنٍّ مبكرةٍ، حيثُ اكتشفَ موهبتها الملحنُ محمد فليفل. لكنَّ نقطةَ التحولِ الحقيقيةِ في مسيرتها كانتْ بلقائها معَ الأخوينِ عاصي ومنصور الرحباني، اللذينِ شكلا معها ثلاثياً فنياً أسطورياً .
فيروزُ: أيقونةٌ لبنانيةٌ صامدةٌ
تزوجتْ فيروزُ من عاصي الرحباني، وأنجبتْ منهُ أبناءها: زياد، هلي، ليال، وريما. لقد كانتْ حياتها الفنيةُ والشخصيةُ متشابكةً بشكلٍ وثيقٍ معَ عائلةِ الرحابنةِ. حيثُ قدمتْ مئاتِ الأعمالِ الغنائيةِ التي أثرتْ المكتبةَ الموسيقيةَ العربيةَ. على الرغمِ من الفواجعِ المتتاليةِ، تظلُّ فيروزُ رمزاً للصمودِ والقوةِ، وأيقونةً فنيةً وإنسانيةً تلهمُ الملايينَ في لبنانَ والعالمِ العربيِّ .
تفاصيلُ الوداعِ الأخيرِ في بكفيا
تلقّتْ السيدةُ فيروزُ وابنتها ريما عزاءَ هلي الرحباني في كنيسةِ رقادِ السيدةِ بمنطقةِ المحيدثةِ في بكفيا. وقد ظهرتْ على وجهِ السيدةِ فيروزَ علاماتُ الحزنِ والأسى، وهي تودعُ ابنها للمرةِ الأخيرةِ. أهدتْ فيروزُ باقةً من الورودِ البيضاءِ، كتبَ عليها “إلى ابني الحبيبِ”. بينما أهدتْ ريما باقةً أخرى كتبَ عليها “إلى أخي الحبيبِ”، في مشهدٍ مؤثرٍ يعكسُ عمقَ الفقدانِ .
كلماتُ وزيرِ الإعلامِ اللبنانيِّ
نعى وزيرُ الإعلامِ اللبنانيِّ، الدكتورُ بول مرقص، الراحلَ هلي الرحباني، مقدماً أحرَّ التعازي للسيدةِ فيروزَ. وكتبَ مرقص عبرَ حسابهِ الرسميِّ على موقعِ “إكس”: “أتقدمُ بأحرِّ التعازي من السيدةِ فيروزَ برحيلِ نجلها هلي الرحباني، بعدَ أشهرٍ على فقدانِ الموسيقارِ زياد الرحباني. خسارةٌ مؤلمةٌ لعائلةٍ قدمتْ للبنانِ والعالمِ إرثاً فنياً وإنسانياً لا يقدرُ، رحمَ اللهُ الراحلَ، وألهمَ السيدةَ فيروزَ والعائلةَ الكريمةَ الصبرَ والعزاءَ” . هذه الكلماتُ تبرزُ مكانةَ العائلةِ الفنيةِ وتأثيرَها العميقَ في المجتمعِ اللبنانيِّ والعربيِّ.
فيروز.. صورة البهجة.. والأسى في آن
تظلُّ السيدةُ فيروزُ، بصوتها الملائكيِّ وحضورها الأسطوريِّ، رمزاً للصمودِ والقوةِ في وجهِ المحنِ. إنَّ فاجعةَ رحيلِ هلي الرحباني، بعدَ فترةٍ وجيزةٍ من وداعِ زيادٍ. تعيدُ إلى الأذهانِ أنَّ خلفَ كلِّ صوتٍ عظيمٍ وقلبٍ فنانٍ. هناكَ إنسانٌ يعيشُ تجاربَ الحياةِ بكلِّ مرارتها وحلاوتها.