غيّب الموت، الخميس، الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاماً، إثر صراع مع المرض، ليودع لبنان أحد أبرز رموز الأغنية الملتزمة التي رافقت تحولات البلاد والمنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي.
وأعلنت عائلة قعبور نبأ الوفاة عبر حسابه الرسمي على فيسبوك. موضحة أن مراسم التشييع ستقام في بيروت، حيث يصلى عليه في مسجد الخاشقجي قبل أن يُوارى الثرى في جبانة الشهداء.
وقد تفاعل الآلاف مع خبر رحيله خلال ساعات، مستعيدين أغانيه التي شكّلت جزءًا من الذاكرة العربية، وعلى رأسها “أناديكم”، التي تحولت إلى نشيد وجداني ارتبط بالمقاومة والحنين.
ومن بين هؤلاء رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري والذي نعاه عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ووصفه بـ”الفنان المبدع”، مشيراً إلى أن اسم قعبور سيبقى “علامة مضيئة في مسيرة الفن الراقي والملتزم”.
أحمد قعبور من “أناديكم” إلى “الفن الملتزم”
وُلد قعبور في بيروت عام 1955، وتخرج من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. ثم دخل التاريخ من أوسع أبوابه عام 1975 عندما قدّم أغنية “أناديكم” وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد. ولم تكن “أناديكم” مجرد عمل فني فقط بل أصبحت رمزًا سياسيًا وثقافيًا. تردد في المحافل الوطنية وتُستعاد كلما تجدد الحديث عن فلسطين.
وقد بلغ تأثيره حدًا كبيراً جعل الشاعر محمود درويش يظنه فلسطينيًا، قبل أن يكتشف جذوره اللبنانية، في دلالة على صدق انتمائه الفني والإنساني.
ينتمي أحمد قعبور إلى جيل السبعينيات، وهو جيل تشكّل وعيه في ظل تحولات كبرى شهدها لبنان، أبرزها الحرب الأهلية (1975–1990) وتصاعد الحضور الفلسطيني في المشهدين السياسي والاجتماعي.
في تلك الفترة برز ما يعرف بـ”الأغنية الملتزمة”، وهي تيار فني تبنى القضايا الوطنية والاجتماعية. وضم أسماء بارزة مثل مارسيل خليفة وخالد الهبر، وقد كان قعبور أحد أبرز وجوه هذا التيار، حيث مزج بين البساطة الموسيقية والرسالة العميقة.
كما تأثر قعبور بقربه من مخيمات اللاجئين، خاصة مخيم صبرا، ما جعله يرى في الفن وسيلة للتعبير عن معاناة الناس اليومية، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

أناشيد القضية وذاكرة بيروت
ارتبط الرصيد الغنائي لقعبور بالأحداث الكبرى، ولا سيما الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978، ومع الاجتياح الثاني عام 1982، بلغت شهرته أوجها بأغنية “أناديكم”، التي تحولت إلى نشيد وطني ردده جمهور واسع في العالم العربي، إلى جانب أعمال أخرى مثل “يا نبض الضفة” و”جنوبيون” و”يا رايح صوب بلادي”.
لم يقتصر إرثه على القضايا السياسية، بل امتد ليشمل ذاكرة المدينة، فعُرف بأغانيه لمدينة بيروت، وبأعمال مرتبطة بشهر رمضان والأعياد، أبرزها “علوا البيارق” التي لا تزال الأجيال ترددها.
مسرح وأعمال للأطفال
إلى جانب مسيرته الموسيقية، خاض قعبور غمار التمثيل. فشارك في أعمال سينمائية ومسرحية مع الفنان الراحل زياد الرحباني. كما ظهر في فيلم يتناول سيرة رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي.
وامتد عطاؤه ليشمل فئة الأطفال، حيث ساهم في تلحين وغنائه لأغاني مسرحية “شو صار بكفر منخار” ومسرحية “كلو من الزيبق”.
أحمد قعبور.. إرث لا ينتهي
ترك قعبور مكتبة غنية تضم ألبومات منها: “أناديكم”، “حب”، “نحنا الناس”، “صوتن عالي”. “بدي غني للناس”، “حبات الرمان”، “حكاية رمضان”، وأحدث ألبوماته “لما تغيبي” عام 2018.
ومن أبرز أغانيه: “نحنا الناس”، “يا ستي”، “صبح الصباح”، “ارحل”، “بيروت يا بيروت”. “خيال”، “مع الإنسان”. “يا حرش بيروت”، و”والله وطلعناهم برا”.
كما خاض تجارب في التمثيل، من بينها مشاركته في فيلم ناجي العلي، الذي تناول سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير.
أما في عام 2016 حصل قعبور على “جائزة القدس للثقافة والإبداع”، تقديرًا لدوره في دعم القضية الفلسطينية فنيًا.
وفي السنوات الأخيرة، واصل قعبور الظهور في الحفلات رغم معاناته الصحية. وانتشر له مقطع مصور أُصيب فيه بدوار أثناء وقوفه على المسرح. في مشهد عكس تمسكه بالغناء حتى الرمق الأخير.
قعبور صوت الإنسان ومعاناة الناس
ورغم الطابع السياسي الواضح في أعماله، حافظ أحمد قعبور على استقلاله. مقدمًا نفسه كفنان منحاز للإنسان أولًا، وحتى في سنواته الأخيرة، ظل حاضرًا بصوته ومواقفه، متحديًا المرض ومشاركًا في فعاليات فنية ليعلن دائماً أن الفن موقف وأن الإنسان قضيته الأولى.
