لم تعد جبال “الألب” السويسرية مجرد منتجع شتوي للنخبة. بل تحولت في يناير 2026 إلى قاعة كبرى لاستقبال “المعزين” في نظام عالمي لفظ أنفاسه الأخيرة. تحت شعار “روح الحوار”، انطلق منتدى دافوس هذا العام وسط أجواء مشحونة بالتوتر. حيث لم يعد الحديث عن “إصلاح” النظام، بل عن كيفية “مواراته الثرى” والبحث عن بديل في عالم تذروه الرياح الجيوسياسية.
دافوس 2026.. عندما تصمت “القواعد” وتتحدث القوة
لطالما كان منتدى دافوس هو المعقل الحصين للعولمة والليبرالية الاقتصادية، لكن نسخة 2026 كشفت عن تصدعات لا يمكن ترميمها. إن “تشييع جنازة النظام الدولي” ليس مجرد عنوان عابر، بل هو توصيف دقيق لواقع فرضته سياسات الحمائية التجارية. والنزاعات المسلحة، وصعود القوميات المتطرفة التي حلت محل التعاون العابر للحدود.
أبرز ملامح الانهيار في أروقة المنتدى:
- تراجع الهيمنة الأمريكية: حضور الرئيس ترامب بنبرته التصعيدية بشأن “غرينلاند” والانسحاب من المنظمات الدولية أعطى إشارة واضحة بأن “شرطي العالم” لم يعد مهتماً بحراسة القواعد التي وضعها بنفسه.
- تفتت المعسكر الغربي: الخلافات العميقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين حول قضايا الأمن والتجارة وصلت إلى طريق مسدود.
- بروز “مجلس السلام العالمي”: المحاولة الأمريكية لفرض هيكل أمني جديد قوبلت بتشكيك واسع من الخبراء. ممّا يعكس فقدان الثقة في المبادرات الأحادية.
صراع العمالقة.. الاقتصاد كفخ للسياسة
في جلسات دافوس 2026، برز مفهوم “المواجهة الجيواقتصادية” كأخطر تهديد للسلم العالمي. لم تعد الحروب تُخاض بالرصاص فقط، بل بالرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والسيطرة على سلاسل الإمداد.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: السلاح الجديد
- سباق التسلح الرقمي: الهيمنة على نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت توازي امتلاك السلاح النووي.
- الفجوة الإلكترونية: الصراع بين “سيليكون فالي” والقدرات الطاقية الهائلة للصين (فجوة الإلكترونات) يحدد من سيقود الاقتصاد القادم.
- انهيار الثقة: انتشار “التزييف العميق” والمعلومات المضللة جعل من الصعب بناء “روح حوار” حقيقية.
الجنوب العالمي.. هل يرث الأرض؟
بينما كان القادة الغربيون ينشغلون بخلافاتهم، كانت قوى “بريكس” والجنوب العالمي (مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا) تفرض أجندة جديدة تطالب بإعادة صياغة مؤسسات “بريتون وودز” (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي).
“النظام القديم لن يعود، وعلينا أن نتعلم العيش في عالم بلا قواعد متفق عليها، أو صياغة قواعد جديدة تشمل الجميع.” – تحليل مستوحى من أروقة دافوس.
رؤية استشرافية في دافوس 2026: ما بعد الجنازة؟
إن إعلان “وفاة النظام الدولي” يستوجب الاستعداد لمرحلة “اللا نظام”، حيث ستكون التحالفات مؤقتة ومبنية على المصالح الصرفة بدلاً من القيم المشتركة. ستشهد السنوات القادمة زيادة في الإنفاق العسكري العالمي، ومحاولات مستميتة لتأمين السيادة الطاقية والغذائية.
هل تعتقد أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب أم نحو فوضى شاملة؟.