صفاء الشبلي
داخل أحد المستشفيات الخاصة تقف الفنانة ريهام عبدالغفور أمام حضّانة طفل رضيع، وهي عاجزة عن الابتعاد عنه، تذرف الدموع وتتشبث برجاء الأطباء أن يسمحوا لها بالبقاء إلى جواره، وترفض أن تتركه وتذهب لمنزلها لترتاح قليلاً، فيما تتجه بالدعاء إلى الله ليحفظ الصغير الذي يصارع المرض في أيامه الأولى من الحياة، وكأنها مستعدة لتحمل كل الآلام نيابة عنه.
لا تملك إلا أن تذرف دموعك أنت أيضاً إن واجهت هذا الموقف على أرض الواقع، ولكن ستصيبك الدهشة إن عرفت أن تلك السيدة التي أوشكت على الانهيار بسبب مرض الطفل ما هي إلا خاطفة أطفال، نجحت في خطف 3 منهم عبر سنوات مختلفة بل ونجحت في إخفاء جريمتها لسنوات عدة، وهو الأمر شديد التعقيد الذي نجحت الفنانة ريهام عبد الغفور في تجسيده داخل حلقات مسلسلها “حكاية نرجس”.
وبهذا المشهد العاطفي يفتتح مسلسل “حكاية نرجس” حضوره أمام المشاهدين، حيث تنجح في تقديم صورة أم يسيطر عليها القلق والخوف على طفلها، لتعيد الحديث عن خاطفة الأطفال “عزيزة بنت إبليس”. وهي قصة سجلت في ذاكرة الحوادث كواحدة من أكثر قضايا خطف الأطفال حديثي الولادة إثارة للرأي العام المصري.
حكاية نرجس.. قصة حقيقية من سجلات الحوادث المصرية
وقعت الأحداث الحقيقية للمسلسل في ثمانينيات القرن الماضي وتحديداً في محافظة الإسكندرية لإمرأة تدعى عزيزة. ولدت بعيب خلقي منعها من الإنجاب، وأمام كلمات المجتمع التي لا ترحم. خططت عزيزة مع زوجها سعيد لإدعاء حملها بعد سنوات من الحرمان.
وفي القصة الحقيقية كانت عزيزة تعاني من عيب خلقي يحول دون قدرتها على الإنجاب، وأمام الضغوط الاجتماعية التي تعرضت لها.
لجأت عزيزة لحيلة شيطانية فقد كانت توهم الجميع بأنها حامل. مستخدمة القطن والأقمشة أسفل ملابسها لإظهار بطن منتفخة وخلال 9 أشهر تتابع حجم البطن لحظة بلحظة. فتزيد القماش والقطن كلما مرت الأيام والليالي لتوهم الجميع بحملها الكاذب.
ومع اقتراب موعد “الولادة”، كانت تبدأ المرحلة الأخطر من خطتها فكانت تترد على المستشفيات أو المناطق الشعبية وتختار ضحاياها بدقة سواء بانتحال شخصية ممرضة أو موظفة حكومية. وتقنع الأمهات بترك الطفل معها لبضع دقائق بحجة إنهاء بعض الإجراءات، لتختفي بعدها فجأة ومعها الرضيع، فخطفت 3 أطفال أطلقت عليهم أسماء: “إسلام وهشام ومحمد”، وكان إسلام هو الأقرب لقلبها.
ولم يقتصر الأمر على خطفها أطفالاً لتنسبهم لنفسها فقط بل امتد لاختطافهم للبيع مقابل 5000 آلاف جنيه للطفل الواحد، حسبما جاء في التحقيقات.
وبعد فترة من ارتكاب جرائمها، حاولت عزيزة إخفاءها فانتقلت إلى مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء بعد بيعها منزلها بالإسكندرية. ولكن حظها العثر جعل إحدى معارفها القدامى وتدعى شمعة تزور العريش وتلتقي بها صدفة، ولكنها لاحظت أن أبناءها لا يشبهونها ليدخل الشك في قلبها خصوصاً مع علمها بعدم قدرة عزيزة على الإنجاب. فتوجهت سراً لقسم الشرطة لتخبرهم بشكوكها، وهناك كانت المفاجأة، أم تقدم بلاغاً باختفاء طفلها عام 1992.
بعد التحريات اقتحمت قوات الأمن منزل عزيزة “بنت إبليس” كما يُطلق عليها، والتي انهارت بدورها واعترفت بكل شيء، ليتم الحكم عليها بـ7 سنوات. ويعود الطفلين محمد وهشام إلى أسرهم فيما بقي إسلام لا يعرف أين أهله حتى الآن، حيث رفضت عزيزة أن تدله عليهم.
لغز إسلام..الابن الأكبر لعزيزة
اعتبرت عزيزة أن الطفل إسلام هو ابنها وأول فرحتها ورفضت أن تعترف بهوية أهله البيولوجيين، وظل إسلام منذ القبض على عزيزة متنقلاً بين دور الأيتام دون معرفة بهويته الحقيقية، حيث ظل سره مع عزيزة فقط.
وبعد سنوات، ظهر رجل من محافظة المنوفية شمالي مصر، ادعى أن إسلام هو ابنه الذي اختفى عام 1984 ليعيش معه إسلام مدة 22 عاماً كاملة، فكبر وتزوج وأنجب أطفالا لكن ظل ماضيه يطارده فقرر إجراء تحليل DNA لتظهر الحقيقة الصادمة، فهو ليس ابنا لتلك الأسرة أيضاً.
لم يستسلم إسلام وأجرى 57 تحليل حمض نووي مع 57 أسرة تبحث عن ابناءها وكانت كل نتائجها سلبية، فلم يكن أمامه سوى البحث عن عزيزة بعد خروجها من محبسها، ولكنها كانت مصممة على عدم البوح بالحقيقة، وفي نهاية صادمة ومع تصميمه على معرفة الحقيقة قامت برمي نفسها من “بلكونة” منزلها لتلقي حتفها دون أن يعرف إسلام أي شيء يذكر عن عائلته الحقيقية.
ريهام عبدالغفور ونجاح لافت لـ”حكاية نرجس”
مع عرض المسلسل في النصف الثاني من موسم دراما رمضان 2026، حقق “حكاية نرجس” نجاحاً جماهيرياً كبيراً، كما نال إشادة عدد كبير من النجوم ومنهم الفنانة منى زكي التي أبدت إعجابها بأداء ريهام عبد الغفور، فكتبت على “انستغرام”: “إيه يا شيخة”، في إشارة للأداء العبقري للفنانة المصرية.
كما وصفت أيضاً الممثلة التونسية عائشة بن أحمد على المسلسل بالتحفة الفنية، مشيدة بأداء ريهام عبد الغفور وزميلها حمزة العيلي.
وعبر نقاد عن إعجابهم بالمسلسل وأداء الفنانة ريهام عبدالغفور فقال الناقد الفني محمود عبد الشكور إن اختيار ريهام عبدالغفور جاء موفقاً نظراً لملامحها التي تجمع بين البراءة وإيحاءات الشر في الوقت نفسه، وقال معلقاً على مشهد ريهام عبدالغفور (نرجس) بعد وفاة حماتهاـ أم جمال ـ (عارفة عبدالرسول): “ريهام عبد الغفور في لقطة من “حكاية نرجس” بعد أن تسببت في موت حماتها هذه النظرة قسوتها المضاعفة في أنها على وجه بريء للغاية، التأثير المروّع لتصرفات الشخصية، والتي لا يردعها شيء في سبيل ما تريد، في هذا التناقض المستمر بين البراءة الظاهرية، والشر الداخلي المؤسس على تعقيدات نفسية عميقة”.
وأضاف: “اختيار ريهام عظيم لأنها ممثلة رائعة يمكنها أن تظهر نظرة شيطان في وجه ملائكي، ولعل الحكاية بأكملها عن هذه الازدواجية المخيفة داخل الإنسان”.
حكاية نرجس.. تجربة جمالية متماسكة
أما الناقد الفني خالد عاشور فيقول إن حكاية نرجس يقدم تجربة بصرية لافتة، نجح فيها المخرج الشاب سامح علاء في تحويل أبطال العمل إلى لوحات فنية نابضة بالحياة، فالمسلسل لا يعتمد فقط على الحكاية الدرامية، بل يشتغل بوعي واضح على الصورة، لتصبح كل لقطة تكوينًا بصريًا متقنًا يحمل بصمة مخرجه.
وأضاف عاشور أن الأديان لطالما قدمت صورة قاسية للشيطان، بوصفه رمزًا مطلقًا للشر، لكن التجربة الإنسانية كثيرًا ما تكشف أن أكثر الشياطين خطورة هم شياطين البشر أنفسهم.
ويشرح عاشور: “في هذا السياق تظهر نرجس، التي تؤديها ريهام عبد الغفور، بوصفها نموذجًا مركبًا للشر الإنساني؛ شر لا يُقدَّم في صورته الفجة، بل في هيئة جمالية متقنة، تجعل المشاهد يتأرجح بين النفور والتعاطف في آن واحد”.
ويتابع: “هذه المفارقة هي ما يراهن عليه المخرج بصريًا، فكل شخصية في العمل تبدو وكأنها جزء من لوحة مرسومة بعناية: الإضاءة محسوبة، زوايا الكاميرا مدروسة، والوجوه تتحول داخل الكادر إلى عناصر تشكيلية تضيف عمقًا للحكاية حتى حضور حمزة العيلي في دور عوني يأتي محمّلًا بهذا البعد البصري، حيث تتجاور ملامح الحيرة والدهشة داخل تكوينات تكاد تقترب من لغة الفن التشكيلي”.
ويستطرد: “ولا يكتمل هذا العالم البصري دون الموسيقى التصويرية، التي تأتي كعنصر موازٍ للصورة، تضيف طبقة شعورية عميقة وتمنح المشاهد إحساسًا دائمًا بالتوتر والجمال في الوقت نفسه، فالموسيقى هنا لا تواكب الحدث فقط، بل تشاركه في صياغة المزاج العام للعمل”.
ويختم الناقد الفني: “هكذا ينجح حكاية نرجس في تقديم تجربة جمالية متماسكة، حيث تتكامل عناصر الصورة والموسيقى والأداء التمثيلي، لتصنع عملاً يوازن بين قتامة الحكاية وجماليات تنفيذها، ويؤكد أن الدراما يمكن أن تكون، في بعض لحظاتها، أقرب إلى لوحة فنية مكتملة التكوين”.