في ظل الأزمات الكبرى والنزاعات، لا تقتصر الأضرار على الدمار المادي. بل تمتد لتشمل ما يسمى بـ “الجروح غير المرئية“، التي تلقي بسهامها مباشرة إلى النفس البشرية.
وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن معظم الأشخاص المتضررين من حالات الطوارئ كالحروب ونحوها. يعانون من مشاعر القلق أو الحزن أو اليأس أو مشكلات النوم أو التعب أو سرعة الانفعال أو الغضب أو الأوجاع.
كما يُصاب ما يقدر بنحو 13٪ بأشكال خفيفة من الاكتئاب والقلق واضطراب الكرب. بينما يصاب 9% بالاضطرابات النفسية المتوسطة أو الشديدة.
وتوضح “الصحة العالمية” أن نسبة كبيرة من المتضررين يعيشون ضائقات نفسية يمكن أن تتحسن مع الوقت. لكن بعضهم قد يعاني من اكتئاب، قلق، أو اضطرابات ما بعد الصدمة.
وتشير دراسات الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) إلى أن التعرض المستمر لتهديدات الحروب يؤدي إلى حالة من “اليقظة المفرطة” (Hypervigilance). وهي حالة فسيولوجية ونفسية تضعف الجهاز المناعي والقدرة على اتخاذ القرار.
استراتيجيات علمية للحفاظ على الصحة النفسية أثناء الحروب
مفهوم “المرونة النفسية” (Resilience)
تُعرف دراسة منشورة في مجلة The Lancet الطبية، المرونة النفسية بأنها العملية الحيوية للتكيف بنجاح مع التجارب القاسية. وتؤكد الدراسة أن الأشخاص الذين يحافظون على “سلامهم النفسي” ليسوا أولئك الذين لا يشعرون بالخوف، بل هم الذين يمتلكون أدوات لإدارة هذا الخوف.
ووفقاً لنظرية “الصلابة النفسية” (Hardiness) لـ سلفاتوري مادي، فإن الالتزام بالهدف والتحدي والشعور بالتحكم (حتى في أصغر التفاصيل) يقلل من احتمالية الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD.
تقليل زمن التعرض للأخبار
التعرض المستمر للمشاهد العنيفة والتحديثات الفورية يزيد من مستوى التوتر ويفاقم الشعور بالعجز. تقنين الوقت المخصّص لمتابعة الأخبار، والاكتفاء بالمصادر الموثوقة فقط، يساعد في تقليل الضغط النفسي.
تشير دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا (UCI) حول التأثير النفسي لمتابعة أخبار الحروب، إلى أن التعرض المُتكرر لصور العنف عبر الوسائط الرقمية يؤدي إلى “الصدمة الثانوية”.
وتنصح الدراسات بتبني استراتيجية “الجرعات المحددة”، حيث يتم استهلاك الأخبار لغرض المعلومات الضرورية فقط (مثل أماكن الأمان أو مسارات الإمداد) وليس للاستهلاك العاطفي الذي يؤثر مستقبلاً على الصحة النفسية لمُتلقي الأخبار.
الحفاظ على روتين يومي محدد
في بيئات الحرب، يفقد الإنسان إحساسه بالزمن والقدرة على التنبؤ.
ووجدت الدراسات أن الحفاظ على “طقوس يومية” بسيطة (مثل وقت محدد لتناول الطعام أو القراءة). يعمل كحاجز نفسيّ يمنع تفتت الهوية الشخصية تحت ضغط الرعب الجماعي.
الحفاظ على شبكة اجتماعية قوية
تعتبر نظرية الدعم الاجتماعي (Social Support Theory) أن الروابط البشرية هي العامل الحاسم في الوقاية من الانهيار النفسي.
وتشير التقارير الميدانية لـ”منظمة الصحة العالمية” في مناطق النزاع إلى أن الأفراد الذين ينخرطون في أنشطة جماعية (تأمين احتياجات، رعاية أطفال، مساندة جيران) يظهرون مستويات أقل من الاكتئاب، لأن العمل الجماعي يكسر حدة الشعور بالعجز.
فالعلاقات الاجتماعية ليست رفاهية – بل هي سد نفسي يحميك من العزلة. تحدث مع العائلة أو الأصدقاء، عبّر عن مشاعرك، وشارك الآخرين مخاوفك وأفراحك البسيطة. الدعم الاجتماعي يرتبط بتحسّن واضح في المشاعر العامة، خاصة في أوقات الشدائد.
تقنيات التهدئة العصبية (Vagus Nerve Stimulation)
من الناحية الفسيولوجية، تضع الحرب الجسم في حالة “الكر والفر (Fight or Flight). وتشرح الدراسات العلمية أن تحفيز العصب الحائر عبر تمارين التنفس العميق (Box Breathing) المُستخدمة في تدريبات القوات الخاصة (Navy SEALs) يساعد في إعادة توازن الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، مما يقلل من نوبات الهلع.
اعترف بمشاعرك وعبر عنها
الغضب، الحزن، الخوف كلها ردود طبيعية في الأزمات، لذا تجنب كبت هذه المشاعر، وبدلاً من ذلك جرب التعبير عنها بطرق صحية: كتابة يوميات، التحدث مع شخص تثق به، أو حتى ممارسة التنفس العميق، فالاعتراف بالمشاعر يساعد في تخفيف حدتها بدلاً من تفاقمها.
طلب الدعم النفسي
في الكثير من الحالات قد يتطلب الأمر دعمًا متخصصًا من معالج نفسي أو مختص في الصحة النفسية، وخصوصًا إذا ظهرت أعراض لا تزول مع مرور الوقت، فالسعي للمساعدة ليس ضعفًا — بل خطوة شجاعة للحفاظ على حياتك وجودتها.
انخرط في أنشطة مفيدة وتطوعية
التطوع أو تقديم المساعدة للآخرين يعطي شعورًا بالهدف والانتماء، ويقلّل من إحساس العجز أمام الأحداث الكبرى، فالشعور بأنك جزء من حلّ ما يمكن أن يخفّف حدّة التوتر.
الصحة النفسية للأطفال تتأثر بالحرب بشكل أكبر، لذا من المهم:
- الحفاظ على روتين يومي ثابت لهم ليشعروا بالأمان.
- التحدث إليهم بصدق وبأسلوب يتناسب مع أعمارهم دون إثارة الذعر.
- السماح لهم بالتعبير عن مشاعرهم وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة البسيطة التي تمنحهم شعورًا بالسيطرة.
- الدعم النفسي ليس رفاهية، بل هو حق إنساني وعامل حاسم في استدامة الحياة والمرونة المجتمعية.