دفعت الأزمة الاقتصادية الخانقة في أفغانستان ملايين الأسر إلى حافة الانهيار، حيث باتت ظاهرة بيع الأطفال لتسديد الديون أو توفير الغذاء مشهداً متكرراً في ولايات عدة.
وتشير تقديرات منظمة إنقاذ الطفولة إلى أن ما يصل إلى 121 ألف طفل ربما تم تبادلهم أو بيعهم منذ أغسطس 2021 وحتى 2024، محذرة من أن الرقم “قابل للزيادة بشكل حاد” خلال العامين الأخيرين.
وتحدثت المنظمة إلى 30 أسرة أقدمت على تبادل طفل مقابل سداد ديون، في مؤشر على عمق المأساة الإنسانية التي تعصف بالبلاد.
وفي ولاية جوزجان الشمالية، وافقت السيدة نوشين وزوجها على بيع طفلهما مقابل 565 دولاراً فقط، لتأمين الطعام لبقية الأطفال الخمسة، حيث قال الزوج: “لا يوجد طعام في المنزل، ولذا قررت بيع طفلي حتى يتمكن الآخرون من البقاء على قيد الحياة”.
أطفال يجلسون في سوق مفتوحة بانتظار مشترين
وصفت الأمم المتحدة مخيماً للاجئين في ولاية جوزجان بأنه من بين “الأسوأ والأكثر خطورة” في البلاد، حيث تحولت قرية غردان إلى سوق مفتوحة تعرض فيها الأسر أطفالها للبيع. ويجلس الأطفال إلى جوار ذويهم بانتظار مشترين محتملين، وتتراوح أسعارهم بين 1000 و2000 دولار بحسب العمر ورغبة المشتري.
وتتم عمليات البيع وفق شروط قاسية، أبرزها عدم محاولة الأسرة البحث عن الطفل بعد بيعه أو السؤال عن مصيره، فيما جرى نقل مئات الأطفال إلى مدن أخرى وأحياناً خارج البلاد.
ووفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج نحو 22.9 مليون شخص، أي نصف السكان، إلى مساعدات إنسانية للبقاء، بينما يواجه 14.8 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.
باحث: الظاهرة متجذرة في الثقافة والعادات
يرى الباحث الأفغاني في معهد توران للبحوث الدولية حسين إحساني أن بيع الأطفال أو تزويج الفتيات قسراً في سن مبكرة “ليس ظاهرة جديدة في أفغانستان”، مشيراً إلى أنها كانت موجودة حتى خلال فترة الحكومة الجمهورية قبل عودة طالبان.
ويوضح إحساني، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن الظاهرة “ترتبط بعوامل اقتصادية وثقافية واجتماعية متداخلة”، مضيفاً أن شيوخ القبائل وكبار السن “غالباً ما يكونون هم من يصدرون الأحكام العرفية لحل النزاعات، ومن بين الحلول التي تطرح أحياناً بيع طفل صغير مقابل إسقاط الديون المالية”.
وتفاقمت الأزمة بسبب خفض الولايات المتحدة، أكبر مانح لأفغانستان، للمساعدات، وتراجع الدعم الدولي بشكل عام، فضلاً عن بقاء الاقتصاد الأفغاني معزولاً عن النظام العالمي منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021.
3 من كل 4 أفغان لا يؤمنون غذاءهم
أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير جديد بأن الفقر في أفغانستان ازداد حدة خلال عام 2025، مشيراً إلى أن 3 من كل 4 أشخاص، أي نحو 28 مليون نسمة، لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وحذر تقرير وزارة الخارجية الأميركية بشأن الاتجار بالبشر من أن “الانهيار الاقتصادي والجفاف وانعدام الأمن الغذائي زادت جميعها من مخاطر الاتجار بالبشر والاستغلال”، موضحاً أن الأطفال والنازحين والعائدين من الهجرة باتوا من أكثر الفئات عرضة للاستغلال في العمل القسري والزواج القسري والبيع.
ووصف الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية في الخارجية الأفغانية حضرت وهريز الظاهرة بأنها “مجرمة في كل الأعراف الدولية”، مضيفاً أن “الفقر والجهل وما يترتب عليهما من نتائج، من الأسباب الرئيسية وراء هذه الظاهرة”.
