عاد المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا، الملقب بـ”لومومبا”، ليُسطّر مشهداً استثنائياً جديداً في تاريخ بطولات كرة القدم، وذلك خلال مباراة منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية أمام نظيره الكولومبي في كأس العالم 2026.
وعلى ملعب “أكرون” بمدينة غوادالاخارا المكسيكية، ظهر مبولادينغا مجدداً على المنصة المخصصة للمشجعين، مرتدياً بدلة رسمية تحمل ألوان العلم الكونغولي، محافظاً على وضعيته الثابتة وذراعه اليمنى مرفوعة من الدقيقة الأولى حتى صافرة النهاية، في تكرار مذهل للأداء الذي جعل منه أيقونة جماهيرية عالمية.
ولم يكن حضور مبولادينغا في هذه المباراة أمراً مفروغاً منه، إذ واجه سلسلة من العقبات كادت تحرمه من متابعة منافسات المونديال. فقد عُلّق سابقاً في بلجيكا بعد مشاهدة المباراة الودية لمنتخب بلاده أمام الدنمارك، ومنعته قيود صحية مرتبطة بانتشار مرض “إيبولا” في بلاده، بالإضافة إلى تعقيدات إجراءات التأشيرة للمسافرين القادمين حديثاً من جمهورية الكونغو الديمقراطية، من حضور المباراة الافتتاحية ضد البرتغال.
غير أنه نجح أخيراً في الحصول على تأشيرة الدخول إلى المكسيك، ليصل إلى غوادالاخارا ويلتحق بالمدرجات في الجولة الثانية من دور المجموعات، مطمئناً ملايين المتابعين الذين تخوفوا من غياب “رجل التمثال” عن العرس الكروي الأكبر.
قصة شهرة بدأت عام 2013
لا يُعد سلوك مبولادينغا مجرد صدفة عابرة أو حملة إعلامية مؤقتة، بل هو التزام شخصي عميق بدأ منذ عام 2013. فمنذ ذلك التاريخ، دأب الخبّاز السابق على مرافقة منتخب بلاده في كل المحافل، متخذاً من الصمت والحركة المعدومة سلاحاً للتشجيع.
إلا أن دائرة شهرته اتسعت بشكل غير مسبوق خلال بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025، حيث انتشرت صورته وهو يقف كالتمثال في المدرجات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ليتحول إلى وجه لا يتجزأ من هوية المنتخب الكونغولي، وصولاً إلى تألقه الحالي كأحد أبرز الرموز البصرية في مونديال 2026.
تكريم لرمز الاستقلال باتريس لومومبا
وراء هذه الوضعية الجامدة قصة وطنية عميقة؛ فـميشيل كوكا مبولادينغا يجسد من خلال وقفته محاكاة دقيقة للتمثال البرونزي الموجود في العاصمة كينشاسا، والذي يخلد ذكرى باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو وبطل الاستقلال الذي ساهم في إنهاء الحكم الاستعماري البلجيكي عام 1960 قبل اغتياله بعد أقل من عام.
ويرى ميشيل في وقفته الصامتة ليس فقط تشجيعاً للفريق، بل تعبيراً رمزياً عن الهوية الوطنية واستحضاراً لروح النضال والتحرر التي يمثلها لومومبا في وجدان الكونغوليين، حيث يقف صامتا تماماً دون أن ينطق بكلمة واحدة طوال المباراة.
“تمثال حي” يأسر الأجواء
ووصف لويس موكوما، أحد مشجعي الكونغو الحاضرين في الملعب، مبولادينغا قائلاً: “يمتلك هالة خاصة… كأنه تمثال حي”، في إشارة إلى القدرة الفريدة لهذا الرجل على جذب الأنظار دون أن ينطق بكلمة واحدة أو التحرك قيد أنملة.
لقد تحول حضور مبولادينغا من مجرد تشجيع تقليدي إلى عنصر بصري مؤثر أصبح جزءاً من أجواء البطولة العالمية، مثبتاً أن الشغف بالكرة والهوية الوطنية يمكن أن يتجلى بأشكال إبداعية تترك أثراً يدوم طويلاً في ذاكرة الرياضة.
