كشف يوسي كوهين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”، عن معلومة استخباراتية ظلت طي الكتمان لسنوات، مفيداً بأن القارة الأفريقية كانت الموقع الذي احتضن البروفة النهائية والحاسمة لعملية اقتحام الأرشيف النووي الإيراني السري.
ورغم أن هذا التفصيل قد يبدو للوهلة الأولى مجرد إجراء لوجستي ميداني، إلا أنه شكل العمود الفقري لمهمة استخباراتية غيرت موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.
نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن كوهين، في أول إفصاح من نوعه، تأكيداً على أن أفريقيا مثلت المسرح الجغرافي الذي نفذ فيه عناصر الموساد تدريباً شاملاً ومكثفاً قبل تنفيذ عملية الاقتحام التاريخية التي وقعت في يناير كانون الثاني 2018.
وخلال تلك المهمة المحكية، أمضى عشرات الجواسيس مدة دقيقة بلغت 6 ساعات و29 دقيقة داخل منشأة تخضع لحراسة مشددة في قلب العاصمة الإيرانية طهران، دون إطلاق أي إنذار أمني، وتمكنوا من الاستيلاء على رفوف كاملة تحوي وثائق نووية أصلية قبل الخروج بسلام.
تفاصيل المنشور وتكتيكات الاختراق
أوضحت الصحيفة العبرية أن الغالبية العظمى من تفاصيل هذه العملية تسربت عبر كتاب بعنوان “استهداف طهران” صدر عام 2023، بينما أضاف كوهين نفسه إضاءات جديدة في مذكراته المعنونة “سيف الحرية” التي نُشرت عام 2025.
ومع ذلك، بقيت أكثر التفاصيل حساسية وسرية محجوبة بدواعٍ أمنية ودبلوماسية، وأبرزها الموقع الدقيق للبروفة النهائية.
وقد تضمنت هذه البروفة بناء نموذج كامل يطابق المنشأة المستهدفة بمحتوياتها من خزائن فولاذية ضخمة، نجح العملاء في اختراقها باستخدام قواطع لهب تصل درجات حرارتها إلى 3600 درجة مئوية.
التداعيات الجيوسياسية وتغيير مسار التاريخ
وتشير التقارير إلى أن تداعيات عملية سرقة الوثائق تجاوزت بكثير حدود المغامرة الاستخباراتية التقليدية. فالوثائق التي كُشف عن مضمونها في ربيع 2018 شكلت الحافز المباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى للانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.
وقد أدى تعاقب الأحداث، وفقاً لتحليل معظم المراقبين، إلى انهيار أي فرصة لصياغة اتفاق جديد في تلك الفترة، مما مهد الطريق لاحقاً لاندلاع حربين مع إيران؛ الأولى في يونيو حزيران 2025 والثانية في مطلع عام 2026.
وانتهت هذه السلسلة من العمليات العسكرية بالتوقيع على اتفاق جديد بين ترامب (في ولايته الثانية) وطهران بتاريخ 17 يونيو حزيران الجاري.
مبررات اختيار أفريقيا وعلاقة التطبيع مع المغرب
شرح كوهين عبر “جيروزاليم بوست” المبررات الاستراتيجية لإجراء البروفة خارج الأراضي الإسرائيلية، مشيراً إلى أن إعادة بناء نموذج بالحجم الطبيعي لموقع بهذه الحساسية القصوى داخل إسرائيل كان سيثير فضولاً غير مرغوب فيه ويجذب أنظاراً قد تعرض سرية المهمة برمتها للخطر، لذا تم اختيار القارة الأفريقية لتوفير الغطاء المثالي للتدريب الحيوي.
ولفت التقرير الانتباه إلى مصادفة زمنية مثيرة للاهتمام، رغم عدم الجزم بصحتها، تتمثل في تزامن انضمام المغرب إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” مع فترة رئاسة كوهين للموساد.
وبينما رجّح التقرير وجود تداخل زمني محتمل بين البروفة النهائية والمفاوضات السرية حول التطبيع، شددت الصحيفة على عدم امتلاكها دليلاً ملموساً يؤكد أن المغرب هو البلد الأفريقي المحدد الذي استضاف البروفة.
واستدركت الصحيفة بأن علاقات إسرائيل الهادئة تمتد لتشمل دولاً عديدة بعيداً عن الأضواء، كما أن للمغرب علاقات عسكرية وثيقة ومعلنة مع إسرائيل، تجلت مؤخراً في مناورات مشتركة وإيفاد ضباط مغاربة إلى إسرائيل مطلع الأسبوع الحالي للعمل على تطويرات تتعلق بقوة استقرار دولية في غزة.
لم تكشف الصحيفة عن السبب الدقيق الذي دفع كوهين للإفصاح عن هذا السر الأمني في هذا التوقيت بالتحديد، لكنها رجحت أن جزءاً من الدافع يعود إلى الضربات الموجعة التي تلقتها الأجهزة الأمنية والتنظيمات الإرهابية التابعة لإيران خلال الحرب الأخيرة، وهو ما خفف من مستوى الحساسية الأمنية للكشف عن تفاصيل عمليات استخباراتية قديمة.
