خاص – 29SEC
لعقود طويلة، كانت القضية الفلسطينية تُطرح على طاولات المجتمع الدولي كقضية أرض محتلة، وشعب سُلب حقه في تقرير المصير. لكن صعود جماعة الإخوان المسلمين أحدث انقلاباً مبكراً في هذه السردية. تم سحب القضية من أبعادها القانونية والسياسية والإنسانية، ليُعاد تصديرها كصراع “عقائدي” بحت.
لم يكن هذا التحول انحرافاً تكتيكياً، بل تأسيساً نظرياً أرساه مؤسس الجماعة حسن البنا منذ البدايات، حين جرد فلسطين من حدودها الوطنية لصالح فكرة “الأمة”. يقول البنا في إحدى رسائله لتعبئة أتباعه، واصفاً الصراع: “ليست قضية وطن جغرافي بعينه، وإنما هي قضية الإسلام الذي تدينون به، فما فلسطين إلا قطعة مصابة من الجسد الإسلامي العام، ولبنة مزعزعة من لبنات بنيانه”.
بهذا التنظير، تم إلغاء مفهوم “الوطنية الفلسطينية”. فالفلسطيني، وفق هذا الخطاب، لا يقاتل لاسترداد أرضه كحق إنساني ووطني، بل لأنه مجرد جندي في مشروع أكبر هو “الخلافة”.
هندسة الاختزال.. من الخريطة الكاملة إلى “باحة الأقصى”
بعد تديين الصراع، بدأت مرحلة تقزيم الخريطة جغرافياً. لم يعد الصراع يدور حول استعادة القرى المهجرة أو حقوق اللاجئين، بل تم وضع القضية في مسار تضييقي (قمع) تتساقط منه الأراضي والحقوق تدريجياً لتستقر في نقطة واحدة.
هذه “الهندسة” صاغها بوضوح المُنظّر الأبرز للإخوان المسلمين، يوسف القرضاوي، الذي حدد أولويات الصراع في أحد بياناته الشهيرة قائلاً: “فرضٌ على الأمة… أن تهتم بقضية الإسلام الأولى (قضية فلسطين)، وأن تهتم من قضية فلسطين بقضيتها الكبرى (قضية القدس)، بل تهتم من قضية القدس بقضيتها العظمى (قضية الأقصى الأسير)”.
هذا الاختزال المتعمد حمل في طياته براغماتية سياسية حادة؛ فالأرض يمكن أن تخضع للتفاوض والمساومات السياسية، أما “المقدس” فهو مطلق لا يقبل القسمة. احتكار التحدث باسم هذا المقدس منح الإسلام السياسي ورقة تفوق أخلاقية ودينية، وأقصى في طريقه كل المكونات الوطنية الأخرى، متجاهلاً تماماً الوجود المسيحي الفلسطيني ومعاناته التي لا تقل وطأة، والتي لا تتناسب مع سردية الصراع الديني الخالص.
الإعلام وصناعة “المرابط” بدلاً من “المواطن”
لعبت الآلة الإعلامية للإخوان دوراً محورياً في تكريس هذا الواقع الجديد. عبر شبكة معقدة من القنوات الفضائية والمنابر، تم فرض معجم لغوي غيّر من طبيعة التعاطي مع الحدث الفلسطيني. اختفت مصطلحات مثل “المقاومة الوطنية” و”الكفاح المسلح”، لتحل محلها مفردات “الجهاد” و”الرباط”.
وتحول المواطن الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه وحياته اليومية ومستقبل أبنائه إلى “مرابط” وظيفته الوحيدة حراسة المسجد.
اعتمد هذا التلاعب الإعلامي على الاستثمار العاطفي الموجه. فبدلاً من مخاطبة المجتمع الدولي بلغة الحقوق والقانون الدولي، وُجه الخطاب حصراً لاستثارة عواطف الجماهير المسلمة عبر إبقاء حالة الطوارئ الدينية في ذروتها تحت شعار “الأقصى في خطر”. هكذا ضُمن استمرار تدفق الدعم والتعاطف، وسُهلت عمليات جمع التبرعات وتجنيد الشباب، دون الحاجة لتقديم مشاريع سياسية قابلة للحياة.
طهران والقدس.. تجارة الشعارات العابرة للحدود
لم يقتصر استغلال هذا التحول المفاهيمي على الإخوان المسلمين، بل التقطته قوى إقليمية أخرى وجدت فيه ضالتها، وعلى رأسها إيران.
أدرك النظام الإيراني بعد ثورة 1979 أن القضية الفلسطينية بشقها “العربي” أو “الوطني” لا تسمح لإيران – غير العربية – بتصدر المشهد.
لذا، سارع الخميني إلى استنساخ الإطار الديني الذي أسسه الإخوان، معلناً عن “يوم القدس العالمي”. ورغم الخلافات المذهبية العميقة، التقى الطرفان في نقطة “الاستثمار في الأقصى”.
ولم تكتفِ طهران بالخطاب، بل أسست ذراعها الخارجي الأقوى تحت اسم “فيلق القدس”. والمفارقة التاريخية هنا، أن هذا الفيلق الذي يحمل اسم المدينة المقدسة، خاض معاركه ودمر مدناً عربية في سوريا والعراق واليمن، دون أن يطلق رصاصة واحدة في القدس.
أصبحت شعارات مثل “الموت لإسرائيل” و”تحرير القدس” مجرد أدوات ابتزاز إقليمية، تُستخدم لإنشاء شبكات نفوذ ومحاور مسلحة تُعلي من شأن “المقدس” نظرياً، بينما تدمر عواصم الجوار بحجة أن “طريق القدس يمر من هنا”.
ركوب موجة التشدد واحتكار الحقيقة
لم تكن استراتيجية حصر فلسطين في المسجد الأقصى مجرد خطأ في التقدير، بل أداة سياسية بامتياز. كلما حاصرت الأزمات جماعات الإسلام السياسي في عواصمها، أو تراجعت شعبيتها إثر إخفاقات محلية، كانت ورقة “الأقصى” هي طوق النجاة.
أنتج هذا الخطاب بيئة خصبة لتفريخ التشدد وتخوين المخالفين. من خلال احتكار قضية مقدسة، تم تحصين هذه الحركات ضد النقد؛ فأي خلاف سياسي معها، سواء من الداخل الفلسطيني (كمنظمة التحرير) أو من الخارج، لم يُفسر كخلاف على تكتيكات سياسية، بل صُوّر كـ “خيانة لله ورسوله والمقدسات”. فالشاب الذي قد لا يدرك تعقيدات الجغرافيا السياسية، يسهل شحنه عاطفياً للدفاع عن المسجد، وتوجيه بندقيته نحو من يخالف قادته.
في المحصلة، ومن رسائل حسن البنا إلى فتاوى القرضاوي، وصولاً إلى شعارات الخميني وبنادق فيلق القدس، وقعت فلسطين ضحية لعملية سطو أيديولوجي نادرة في التاريخ الحديث. سُلبت هويتها الوطنية، واُختزلت مأساتها في باحة مسجد، لتتحول من قضية شعب يبحث عن وطنه، إلى ورقة سياسية تُرفع في المظاهرات، أو لافتة تُعلق للتبرير على بنادق الميليشيات.
