تسجل أسواق العقارات الأوروبية تحولات متسارعة تعكس تبايناً عميقاً بين دول القارة، حيث تواصل أسعار المساكن مسارها التصاعدي في معظم الدول، متجاوزة معدلات التضخم المسجلة.
وتكشف البيانات الحديثة للربع الثاني من عام 2026 عن ارتفاع متوسط الأسعار على مستوى الاتحاد الأوروبي بنسبة 4.7% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، ليتخطى معدل التضخم البالغ 3.2%.
ورغم هذا المؤشر الإيجابي العام، تخفي الأرقام الإجمالية فجوات واسعة بين أسواق تشهد طفرات سعرية برقمين، وأخرى تعاني من ركود أو تراجع ملحوظ.
قفزات قياسية تتجاوز عتبة الـ 10%
وأظهرت بيانات مؤسسة “يوروستات” أن تسع دول من أصل 29 دولة أوروبية سجلت زيادات سنوية تجاوزت حاجز العشرة بالمئة.
وتصدرت البرتغال المشهد العقاري بأعلى قفزة بلغت 16.5%، تلتها بلغاريا بنسبة 15.5%. تعود هذه الطفرة البرتغالية، بحسب الخبير العقاري في “غلوبال بروبرتي غايد” ميك كالميت، إلى تفوق الطلب على العرض، خاصة في العاصمة لشبونة وبورتو والمناطق الساحلية، مدفوعاً بندرة المشاريع السكنية الجديدة، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، والانتعاش السياحي.
وفي المقابل، استمدت السوق البلغارية زخمها من تحسن دخل الأسر، وزيادة الأجور، وتوفر خيارات تمويل عقاري ميسرة، إلى جانب تنامي الرغبة في الاستثمار العقاري.
وامتدت الزيادات القوية لتشمل ليتوانيا (14.3%)، وسلوفاكيا (13.6%)، وكرواتيا (12.7%)، وإسبانيا ورومانيا (12.1% لكل منهما)، ولاتفيا (11.4%)، والمجر (10.2%).
واقتربت دول أخرى من هذا الحاجز، كالدنمارك (9.4%)، وسلوفينيا (9.1%)، وتشيكيا (8.6%). كما تخطت دول عدة متوسط النمو في الاتحاد الأوروبي، أبرزها قبرص (7.9%)، ومالطا (6.9%)، وبولندا (6.3%)، وإيرلندا (6%)، وإستونيا (5.8%)، والنمسا (5.1%)، والسويد (4.8%).
ركود وانكماش في أسواق كبرى
وشهدت ثلاث دول أوروبية فقط تراجعاً في قيمة مساكنها على أساس سنوي، وهي فنلندا التي سجلت انخفاضاً بنسبة 2.7%، تلتها لوكسمبورغ بتراجع قدره 2.2%، ثم فرنسا بنسبة 0.8%.
ويفسر كالميت التراجع الفنلندي بضعف النمو الاقتصادي وتراجع ثقة المستهلكين تحت وطأة الفائدة المرتفعة. أما في فرنسا، فقد أدت أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن، وتراجع الطلب، والآثار المتراكمة للفائدة المرتفعة على القروض العقارية، إلى فرض ضغوط هبوطية على الأسعار، مما دفع المشترين المحتملين لإرجاء قراراتهم وسط حالة من الضبابية الاقتصادية.
وعلى صعيد الاقتصادات الأربعة الكبرى، برزت إسبانيا كاستثناء بارتفاع قدره 12.1%، بينما اكتفت إيطاليا بنمو متواضع بلغ 4%. أما السوق الألمانية، فقد أفلتت بالكاد من الانكماش مسجلة زيادة طفيفة بلغت 0.6%.
ويشير تحليل الخبيرين كارستن برزِسكي وفرانتسيسكا بيهل من مؤسسة “آي إن جي” إلى أن ألمانيا تواجه تراجعاً في القدرة على تحمل تكاليف العقارات المرتفعة وضعفاً في الطلب على الرهن العقاري، نتيجة عودة أسعار الفائدة المرتفعة وتدهور القوة الشرائية متأثرة بالتداعيات الاقتصادية السلبية للحرب في الشرق الأوسط.
مكاسب حقيقية تتحدى التضخم
وتكشف قراءة الأرقام بمعزل عن تأثير التضخم عن نمو حقيقي متماسك لأسعار المساكن، حيث بلغ النمو الحقيقي في الاتحاد الأوروبي ككل 1.5%. وبرزت البرتغال مجدداً محققة نمواً حقيقياً بنسبة 12.1%، بعد استبعاد نسبة التضخم البالغة 3.6% خلال تلك الفترة.
وتجاوزت المكاسب الحقيقية حاجز السبعة بالمئة في دول مثل سلوفاكيا (9.4%)، وبلغاريا (9.1%)، وليتوانيا (8.8%)، وإسبانيا (8.3%)، ولاتفيا (7.9%)، والدنمارك والمجر (7.7%)، وكرواتيا (7.5%).
في المقابل، تكبدت ست دول خسائر في القيمة الحقيقية للعقارات، أعمقها في لوكسمبورغ بتراجع بلغ 6.4%، تلتها فرنسا بنسبة 3.2%، وألمانيا بنسبة 2%.
ديناميكيات العرض ومسار الفائدة المستقبلي
وتعكس هذه التباينات الحادة دور العوامل المحلية في توجيه أسواق الإسكان، فرغم وحدة الظروف النقدية والاقتصادية العامة، تتحكم محددات وطنية في مسار الأسعار.
ويلخص كالميت هذه المحددات في عوامل محورية تتمثل في العجز المستمر في المعروض السكني الذي لم يواكب الطلب المتنامي، وتحسن مستويات دخل الأسر، والتغيرات الطارئة على شروط التمويل العقاري.
فالدول التي تجمع بين محدودية البناء وقوة الطلب والديناميكيات الديموغرافية النشطة تشهد قفزات سعرية، عكس تلك التي تعاني من هشاشة النمو الاقتصادي وارتفاع حساسية مستهلكيها تجاه تكاليف الاقتراض.
وتتجه بوصلة السوق العقارية الأوروبية نحو استمرار المسار التصاعدي المدعوم بنقص المساكن، إلا أن وتيرة النمو مرشحة للتباطؤ وعدم التوازن، مما يجعل تكرار معدلات النمو المزدوجة الرقم أمراً غير مضمون.
ويبقى قرار البنك المركزي الأوروبي الأخير برفع أسعار الفائدة في سبتمبر 2026، استجابة للضغوط التضخمية المتجددة، عامل عدم اليقين الأبرز في رسم معالم المرحلة المقبلة.
فارتفاع تكلفة القروض العقارية، مقترناً بتآكل القوة الشرائية جراء ارتفاع أسعار الطاقة، يفرض تحديات جديدة قد تفضي إلى إبطاء الطلب على السكن في العديد من الأسواق الأوروبية.
