من بني ملال إلى توريلابِيغا شمال إسبانيا، انتقل محمد عطاوي في طفولته ضمن رحلة عائلية بحثًا عن حياة أفضل، قبل أن تقوده سباقات المدرسة إلى عالم ألعاب القوى.
وبعد سنوات من التكوين والتدرج، أصبح صاحب الرقم القياسي الإسباني في سباق 800 متر، ووصيف بطل أوروبا، وأحد الأسماء البارزة في المنافسات الدولية.
وُلد محمد عطاوي، المعروف في الوسط الرياضي باسم “موحا”، يوم 26 سبتمبر 2001 في مدينة بني ملال المغربية. لم يكن انتقاله إلى إسبانيا مرتبطًا بالرياضة، بل جاء في إطار رحلة عائلية بدأت عندما غادر والده صلاح المغرب بحثًا عن العمل في قطاع البناء.
بعد نحو عامين من العمل والادخار، تمكن الأب من تهيئة الظروف لانتقال بقية أفراد الأسرة إلى إسبانيا. وفي عام 2007، وصل محمد إلى مدينة توريلابِيغا، التابعة لمنطقة كانتابريا شمال البلاد، وكان يبلغ السادسة من عمره.
في مقابلة مع صحيفة “إل كونفيدينسيال” الإسبانية نُشرت في يناير 2026، استعاد عطاوي جوانب من طفولته، موضحًا أنه كان طفلًا كثير الحركة، يقضي ساعات طويلة في اللعب بعد المدرسة. وكانت كرة القدم والركض من أبرز الأنشطة التي شغلت وقته قبل أن تتحول الأخيرة إلى مسار رياضي احترافي.
لم تكن ألعاب القوى هدفًا محددًا في طفولته، بل نشاطًا اكتشفه تدريجيًا في البيئة الجديدة التي نشأ فيها، بعيدًا عن مدينة ولادته في المغرب.
المدرسة بوابة إلى ألعاب القوى
وبدأت علاقة عطاوي بالرياضة المنظمة من خلال سباقات العدو الريفي المدرسية في توريلابِيغا. كانت مشاركاته الأولى فرصة للتنافس مع زملائه، لكن نتائجه لفتت انتباه مشرفين رياضيين لاحظوا قدرته على الجري، وشجعوه على الانضمام إلى نادٍ محلي لألعاب القوى.
في تلك المرحلة، لم يكن يتعامل مع الرياضة بوصفها مهنة مستقبلية، بل كان يمارسها إلى جانب اهتماماته الأخرى، ومنها كرة القدم. ومع مرور الوقت، انتظم في التدريبات وبدأ يخوض منافسات أكثر جدية، قبل أن تتضح إمكاناته في سباقات المسافات المتوسطة.
مثّل النادي المحلي نقطة التحول الأولى في مسيرته، إذ انتقل من المشاركة في السباقات المدرسية إلى التدريب المنظم، وتعلم تدريجيًا متطلبات المنافسة في ألعاب القوى.
وتكشف هذه المرحلة جانبًا مهمًا من تجربة أبناء المهاجرين في الرياضة الإسبانية، حيث يمكن للمدرسة والنادي المحلي أن يشكلا بوابة لاكتشاف المواهب وتطويرها، بصرف النظر عن بلد الميلاد.

وفاة والده والعودة إلى المضمار
شكّلت وفاة والده بسبب مرض السرطان عام 2015 محطة صعبة في حياة عطاوي. كان في الثالثة عشرة من عمره، وابتعد عن ألعاب القوى لفترة بعد فقدان والده، الذي تحمل مسؤولية انتقال الأسرة إلى إسبانيا بحثًا عن ظروف معيشية أفضل.
تراجع اهتمامه بالتدريب خلال تلك المرحلة، وعاد إلى ممارسة أنشطة أخرى مع أصدقائه. لكنه استأنف تدريباته لاحقًا، وبدأ يتعامل مع الرياضة بجدية أكبر، خصوصًا مع تحسن نتائجه في سباقات المسافات المتوسطة.
لم يكن الانتقال إلى الاحتراف خطوة مفاجئة، بل جاء بعد فترة من استعادة الحافز والانتظام في التدريب. ومع تقدمه في المنافسات، بدأت تظهر ملامح مسار رياضي قادر على الوصول إلى المستويات العليا.
الجنسية الإسبانية وبداية الصعود
حصل عطاوي على الجنسية الإسبانية عام 2021، بعد أن أمضى معظم طفولته ومراهقته في إسبانيا. وفي السنوات التالية، واصل تطوير مستواه في سباقي 1500 متر و800 متر، وبدأ يحقق نتائج متقدمة في المنافسات الوطنية.
عام 2022، أحرز لقب بطولة إسبانيا لفئة أقل من 23 عامًا في سباق 1500 متر. وفي بطولة أوروبا للفئة العمرية نفسها عام 2023، نال الميدالية الفضية في المسافة ذاتها.
وفي العام نفسه، شارك في بطولة العالم لألعاب القوى في بودابست، وبلغ نصف نهائي سباق 800 متر. مثّلت المشاركة خطوة مهمة في انتقاله من المنافسة في الفئات العمرية إلى الاحتكاك بنخبة العدّائين على المستوى العالمي.
تزامن هذا التقدم مع تطور تدريبه واتساع نطاق المنافسات التي يشارك فيها، وصولًا إلى مرحلة أصبح فيها قادرًا على منافسة عدّائين أصحاب خبرة دولية.

فضية أوروبا والإنجاز الأولمبي
وبلغ عطاوي إحدى أبرز محطات مسيرته في يونيو 2024، عندما أحرز الميدالية الفضية في سباق 800 متر ببطولة أوروبا لألعاب القوى في روما، مسجلًا دقيقة واحدة و45.20 ثانية.
وفي 12 يوليو من العام نفسه، حقق رقمًا قياسيًا إسبانيًا في سباق 800 متر، بعدما سجل 1:42.04 دقيقة في لقاء موناكو. وأكد هذا الإنجاز قدرته على المنافسة مع أفضل عدّائي المسافة في العالم.
وفي أولمبياد باريس 2024، بلغ نهائي سباق 800 متر وأنهى المنافسة في المركز الخامس بزمن 1:42.08 دقيقة. وعلى الرغم من عدم صعوده إلى منصة التتويج، فإن بلوغ النهائي الأولمبي وضعه بين أبرز المتنافسين في المسافة.
وفي بطولة العالم لألعاب القوى في طوكيو عام 2025، وصل مجددًا إلى النهائي، وأنهى السباق في المركز الخامس بزمن 1:42.21 دقيقة.
الاحتراف وتطوير الأداء
في أواخر عام 2023، انضم عطاوي إلى فريق “On Athletics Club Europe”، وهو فريق احترافي يضم عدّائين من جنسيات مختلفة ويعتمد منظومة تدريب متخصصة.
تتطلب المنافسة في سباق 800 متر مزيجًا من السرعة والتحمل والقدرة على اختيار التوقيت المناسب للاندفاع. لذلك يشمل الإعداد تدريبات بدنية وفنية، إلى جانب الاهتمام بالتغذية والاستشفاء والمعسكرات التدريبية.
ويعمل عطاوي تحت إشراف المدرب الألماني توماس درايسيغايكر، ضمن منظومة تتيح له التركيز على تطوير مستواه والمشاركة في المنافسات الدولية. ومع ذلك، ظل ارتباطه بمدينة توريلابِيغا حاضرًا، إذ نشأ فيها رياضيًا وما زالت أسرته وأصدقاؤه يقيمون هناك.
الهوية والانتماء بين المغرب وإسبانيا
وتجمع تجربة عطاوي بين ثلاث محطات أساسية: الولادة في المغرب، والهجرة إلى إسبانيا في سن السادسة، ثم تمثيل المنتخب الإسباني في المنافسات الدولية بعد حصوله على الجنسية.
نشأ عطاوي رياضيًا في إسبانيا، وبدأ مسيرته من المدرسة والنادي المحلي قبل أن يصل إلى المنتخب والبطولات الكبرى. وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسبانية، عبّر عن اعتزازه بحياته في إسبانيا، حيث أمضى سنوات تكوينه، وأكد أنه يعتبر نفسه إسبانيًا.
في المقابل، تظل بني ملال جزءًا أساسيًا من سيرته الشخصية، بوصفها المدينة التي وُلد فيها قبل انتقال أسرته إلى أوروبا. وتتيح تجربته تناول العلاقة بين الهجرة والتكوين الرياضي والتمثيل الدولي، بعيدًا عن اختزال الهوية في بلد الميلاد وحده.
كما تفتح قصته المجال لدراسة دور المؤسسات الرياضية في إتاحة الفرص أمام أبناء الأسر المهاجرة، وكيف يمكن للمواهب التي تبدأ في الأندية المحلية أن تصل إلى المنافسة على أعلى المستويات.
موسم 2026 واستمرار الحضور الدولي
وواصل عطاوي تطوير أرقامه خلال عام 2026. وفي فبراير، سجل رقمًا إسبانيًا جديدًا في سباق 1000 متر داخل القاعات بزمن 2:14.52 دقيقة، ثم حقق رقمًا قياسيًا إسبانيًا في سباق 800 متر داخل القاعات بزمن 1:44.48 دقيقة خلال مارس.
وفي بطولة العالم لألعاب القوى داخل القاعات في تورون البولندية، أحرز الميدالية البرونزية في سباق 800 متر، مضيفًا إنجازًا عالميًا جديدًا إلى سجله.
وفي يونيو 2026، سجل 3:31.82 دقيقة في سباق 1500 متر بمدينة توركو الفنلندية، محققًا رقمًا شخصيًا جديدًا في المسافة.
كما أحرز الميدالية البرونزية في سباق 800 متر ببطولة أوروبا لألعاب القوى في برمنغهام في أغسطس 2026، ليصعد إلى منصة التتويج الأوروبية للمرة الثانية في منافسات الهواء الطلق، بعد فضية روما عام 2024.
وبهذه النتائج، واصل عطاوي حضوره بين أبرز عدّائي المسافات المتوسطة في إسبانيا وأوروبا، مع سجل يجمع بين الإنجازات القارية والنتائج الأولمبية والعالمية.
