لم تعد مناطق التنقيب عن الذهب في الصحراء الممتدة بين مصر والسودان مجرد مواقع يعمل فيها الباحثون عن الثروة، بل تحولت إلى بؤرة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع قضايا الأمن والتهريب والنزاع على الحدود.
وقد عادت هذه الملفات إلى الواجهة عقب تقارير عن غارات جوية استهدفت مواقع للتنقيب عن الذهب قرب الحدود المصرية السودانية في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وأسفرت، وفق تقارير سودانية، عن سقوط قتلى ومصابين بين العاملين في التعدين الأهلي.
وترافقت التقارير مع اتهامات سودانية لمصر بالمسؤولية عن الهجوم، في وقت أعلنت فيه القاهرة استمرار حملتها لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب.

غارات على مواقع التنقيب وسقوط قتلى
تضاربت حصيلة الضحايا في التقارير التي تناولت الغارات. فقد أعلنت مجموعة “محامو الطوارئ” السودانية مقتل 72 شخصاً، فيما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن شبكة أطباء السودان مقتل 13 شخصاً وإصابة 28 آخرين.
وأشارت تقارير أخرى إلى احتمال ارتفاع عدد الضحايا، في ظل صعوبة الوصول إلى المنطقة ونقل المصابين إلى المرافق الطبية. واتهمت جهات سودانية الجيش المصري بتنفيذ الغارات

ماذا قالت مصر؟
في 12 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت القوات المسلحة المصرية استمرار المرحلة الثالثة من حملتها لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، بمشاركة عناصر من القوات المسلحة والشرطة المدنية.
وقال المتحدث العسكري إن الحملة تأتي في إطار مواجهة الأنشطة غير القانونية وحماية موارد الدولة وثرواتها، وفرض السيادة داخل الأراضي المصرية.
لكن البيان لم يعلن صراحة مسؤولية القوات المصرية عن الغارات التي تحدثت عنها المصادر السودانية، كما لم يتضمن تفاصيل مباشرة بشأن الحادثة أو حصيلة الضحايا.
وفي السودان، أثارت التقارير عن سقوط الضحايا مطالبات بكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه
وأفادت تقارير صحفية بتحرك السلطات السودانية للتحقيق في الحادث، وسط استمرار التباين بشأن عدد القتلى والموقع الدقيق للضربات.

من هم “الدهابة”؟
“الدهابة” مصطلح شائع في السودان يُطلق على الأشخاص الذين يعملون في التنقيب الأهلي أو التقليدي عن الذهب. ويعتمد هؤلاء على أجهزة كشف المعادن وأدوات الحفر والطحن لاستخراج الخام من مواقع سطحية أو من حفر ومناجم صغيرة، ثم يبيعونه إلى التجار والوسطاء.
ويضم هذا النشاط أفراداً يعتمدون على التنقيب مصدراً للدخل، إلى جانب مجموعات تعمل خارج الأطر القانونية أو تتجاوز مناطق الترخيص. لذلك، لا يعني وصف شخص بأنه “دهابة” أنه متورط بالضرورة في التهريب أو نشاط إجرامي؛ إذ يختلف الوضع القانوني وفق موقع التنقيب والتراخيص المتاحة وطريقة استخراج الذهب ونقله وبيعه.
واتسع نطاق التعدين الأهلي في السودان خلال السنوات الماضية، في ظل تراجع فرص العمل والضغوط الاقتصادية، ثم تفاقمت الأزمة المعيشية بعد اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. ودفع ذلك بعض العاملين إلى التوجه نحو مواقع نائية بحثاً عن الذهب، حيث تقل الخدمات الصحية والرقابة الحكومية ويصعب الوصول إلى المصابين عند وقوع حوادث.
وتتضمن مخاطر العمل في هذه المناطق انهيار الحفر، وغياب معدات السلامة، والتعرض للمواد المستخدمة في معالجة الخام، فضلاً عن مخاطر التنقل في الصحراء والعمل في مواقع بعيدة عن المراكز السكانية.

الذهب بين مصدر الدخل وشبكات التهريب
يمثل الذهب مورداً اقتصادياً مهماً للسودان، كما أن ارتفاع قيمته يجعل التنقيب عنه نشاطاً جاذباً للأفراد والتجار. لكن استخراج الذهب وتداوله خارج القنوات الرسمية يصعّبان على السلطات تتبع الإنتاج والمبيعات وتحصيل الإيرادات المستحقة للدولة.
وتستغل شبكات التهريب في بعض المناطق اتساع المساحات الصحراوية وصعوبة مراقبة الطرق لنقل الذهب بعيداً عن الإجراءات الرسمية.
وفي ظل الحرب السودانية، ازدادت أهمية الذهب باعتباره مصدراً للنقد والإيرادات، ما جعل السيطرة على مواقع الإنتاج وطرق التجارة مسألة اقتصادية وأمنية
ومع ذلك، فإن وجود شبكات تهريب في منطقة ما لا يعني أن جميع العاملين في التنقيب الأهلي متورطون فيها. فهناك اختلاف بين المنقب الذي يعمل في موقع مرخص، والعامل الذي ينقب خارج مناطق الترخيص، والتاجر الذي ينقل الذهب، والشبكة التي تتولى تهريبه عبر الحدود.
وفي المناطق الحدودية، تتداخل هذه الأنشطة مع مسؤولية السلطات عن مراقبة حركة الأشخاص والبضائع ومنع الأنشطة غير القانونية.
ويجعل هذا التداخل مواقع التعدين جزءاً من ملف أمني أوسع، خصوصاً عندما تقع عمليات عسكرية أو مواجهات في المناطق التي يعمل فيها المنقبون.

حملات مصرية سابقة لمكافحة التنقيب غير المشروع
وجاء الإعلان المصري في أكتوبر ضمن حملة قالت السلطات إنها تستهدف التنقيب غير المرخص والأنشطة غير القانونية في الصحراء الشرقية والمناطق الجنوبية.
وفي يونيو/حزيران 2026، أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ عملية أمنية في نطاق المنطقة العسكرية الجنوبية، قالت إنها استهدفت أنشطة غير قانونية. وذكر بيان مصري توقيف 223 شخصاً، بينهم 136 أجنبياً، ضمن نتائج العملية.
وأعلنت السلطات المصرية لاحقاً استمرار الحملة والانتقال إلى مراحل جديدة من التمشيط والمداهمة في المواقع التي قالت إنها تستخدم في التنقيب غير المشروع. ثم جاء إعلان 12 أكتوبر بشأن المرحلة الثالثة من العملية.
ويضع هذا التسلسل حملة أكتوبر ضمن جهود أمنية مصرية أوسع لمواجهة التنقيب غير المرخص وحماية الموارد الطبيعية. لكنه لا يثبت وحده أن الغارات التي أُبلغ عنها في 10 أكتوبر كانت جزءاً من تلك الحملة؛ إذ يتطلب ذلك معلومات مباشرة بشأن موقع الضربات وأهدافها والجهة التي نفذتها.

الحدود المصرية السودانية وتعقيدات الموقع
تمتد الحدود المصرية السودانية عبر مناطق صحراوية شاسعة قليلة السكان، ما يجعل مراقبة الحركة والوصول إلى مواقع التنقيب أكثر صعوبة.
وتتحرك مجموعات من المنقبين عبر مناطق بعيدة عن المدن، فيما تتقاطع طرق نقل الخام مع مسارات التجارة والتنقل عبر الحدود.
وتزيد الخلافات الحدودية بين البلدين من حساسية بعض المناطق، وفي مقدمتها مثلث حلايب وشلاتين الذي يتنازع الطرفان السيادة عليه. غير أنه لا يمكن افتراض أن مواقع الغارات الأخيرة تقع في هذه المنطقة من دون تحديد جغرافي دقيق؛ فالموقع الفعلي للضربات عنصر أساسي لفهم سياق الحادثة.
وتواجه السلطات في المناطق الحدودية تحدياً يتمثل في مكافحة التهريب والتنقيب غير المرخص، مع التعامل مع عاملين مدنيين يعتمد بعضهم على التعدين مصدراً للعيش.
وتصبح هذه المهمة أكثر تعقيداً عندما تقع عمليات أمنية في مواقع التعدين أو تتضارب المعلومات بشأن الحدود التي وقعت داخلها الحوادث.
