تخيّل أن تقف عند بوابة رسوم على طريق سريع لا يملكه أحد، فيطالبك حارس بأن تدفع قبل أن تعبر، ثم يأتي حارس آخر من الجهة المقابلة ليطالبك بنسبة من حمولتك ثمنًا لحمايتك من الأول. هذا، بلا مبالغة، هو المشهد الذي عاشه مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية. وهو المشهد الذي جاء إعلان الستين دولة، يوم الاثنين الثاني عشر من أكتوبر، ليقول له بصوت واحد: كفى.
أطلقت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس تعهدًا عالميًا تحت شعار “لا رسوم ولا جبايات”، انضمت إليه دول الاتحاد السبع والعشرون و33 دولة أخرى، من بينها اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وأستراليا وكندا والمملكة المتحدة، ومن عالمنا العربي البحرين وسلطنة عُمان والأردن واليمن. ويلتزم الموقّعون بمعارضة أي رسوم أو جبايات غير مشروعة، أو قيود تمييزية، أو اشتراط إذن مسبق، يعيق المرور القانوني عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، مستندين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي يصفها النص بأنها دستور المحيطات.
النص لا يذكر هرمز بالاسم. لكنه لا يحتاج إلى ذلك؛ فالجميع يعرف عن أي مضيق يتحدث.
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي، لم يعد هرمز مجرد عنق زجاجة جغرافي، بل صار أداة تفاوض. ففي مارس، نقلت مجلة لويدز ليست أن الحرس الثوري أقام ما يشبه نظام “بوابة رسوم” للسفن، وفي نهاية الشهر نفسه أقرت لجنة في البرلمان الإيراني، بحسب التلفزيون الرسمي الذي نقلت عنه فرانس برس، خطة لفرض رسوم عبور تتضمن “أنظمة جباية بالريال”. ثم جاء سبتمبر لتفرض واشنطن عقوبات على جهة قالت إن “هيئة خدمات هرمز البحرية الآمنة” الإيرانية تستخدمها لتحويل الأموال إلى طهران.
والأرقام تحكي حجم الخسارة. قبل الحرب كانت نحو 125 سفينة تجارية كبيرة تعبر المضيق يوميًا، ويمر عبره قرابة خُمس صادرات العالم من النفط والغاز، وفق ما أوردته الجزيرة. اليوم يقول الحرس الثوري، على لسان مستشار قائده محمد رضا نقدي، إن المضيق “مغلق” حتى تُلبّى مطالب طهران، ومنها رفع القيود عن صادراتها النفطية والإفراج عن أصولها المجمدة وإنهاء الحصار البحري على موانئها.
لكن الحكاية لا تكتمل إذا رويناها من الضفة الإيرانية وحدها. ففي الثالث عشر من يوليو، كتب الرئيس دونالد ترامب على منصته أن الولايات المتحدة ستعيد فرض الحصار البحري على إيران، وأنها ستُعوَّض بنسبة 20 في المئة عن كل الشحنات العابرة لهرمز. يومها خرجت المنظمة البحرية الدولية بموقف لافت في وضوحه، إذ قال متحدث باسمها إنه لا يوجد أي أساس قانوني لفرض رسوم إلزامية لمجرد العبور في مضيق.
هنا تكمن المفارقة الكبرى في إعلان الستين: الولايات المتحدة، التي بنت قوتها البحرية طوال ثمانية عقود على مبدأ حرية الملاحة، ليست بين الموقّعين. وكذلك الصين والهند، وهما أكبر مستهلكي نفط الخليج. والإعلان الذي جمع ستين دولة يأتي بعد سبعة أشهر فقط من قرار لمجلس المنظمة البحرية الدولية يدين التهديدات الإيرانية للملاحة، شاركت في رعايته أكثر من 115 دولة، وهو أعلى رقم في تاريخ المنظمة. فما الذي جرى بين مارس وأكتوبر حتى تقلّص التحالف إلى النصف تقريبًا؟
الجواب، في تقديري، أن العالم انتقل من مرحلة الصدمة إلى مرحلة الصفقة. في مارس كان الجميع يدين الإغلاق. أما اليوم، فثمة من يحسب كلفة الدفع مقارنة بكلفة الحصار، وثمة من يراهن على استثناءات ثنائية، وثمة من يرى في الجباية ورقة يمكن أن تُستخدم غدًا في مضائق أخرى. والقانون الدولي، حين يتحول إلى قائمة أسعار، يفقد أهم ما فيه: أنه واحد للجميع.
بالنسبة لدول الخليج العربي، المسألة ليست نقاشًا أكاديميًا في فقه قانون البحار. إنها مسألة رئة اقتصادية. فحين تُسعَّر حرية المرور، يصبح كل برميل نفط وكل شحنة غاز وكل حاوية سماد رهينة لقرار سياسي على الضفة الأخرى. وقد عبّرت دولة الإمارات عن هذا المعنى مبكرًا، حين رحبت في مارس بقرار المنظمة البحرية الدولية، مؤكدة أن استخدام المضيق أداةً للإكراه الاقتصادي أمر غير مقبول، وأن أي تعطيل للملاحة ينعكس على الأسواق وتكاليف المعيشة، ولا سيما في المناطق الأكثر هشاشة.
وقد أثبتت المنطقة أنها تتعلم بسرعة. فبحسب بيانات شركة كبلر التي أوردتها الجزيرة، باتت نحو 40 في المئة من صادرات المنطقة تتجاوز هرمز عبر طرق بديلة، وتجاوزت صادرات الشرق الأوسط من الخام مستويات ما قبل الحرب في أربعة أيام من الأسبوع الأخير من سبتمبر. هذا إنجاز لوجستي يُحسب لمن خطط لخطوط الأنابيب والموانئ البديلة قبل سنوات، لكنه لا يلغي الحقيقة الأساسية: لا بديل كاملًا عن المضيق، ولا اقتصاد يُبنى على الاستثناء الدائم.
والأخطر أن هرمز ليس وحيدًا. فالمنطق نفسه يمكن أن يمتد إلى باب المندب، وإلى ملقا، وإلى أي ممر تمر عبره سفن العالم. وإذا قبل المجتمع الدولي اليوم أن يكون لهرمز شبّاك تذاكر، فلن يملك غدًا حجة واحدة ضد من يفتح شبّاكًا مماثلًا على مضيق آخر.
لا ينبغي المبالغة في وزن الإعلانات. فالورق لا يحرّك ناقلة، والبيانات لا تزيل لغمًا. لكن إعلان الستين يؤدي وظيفة لا تقل أهمية: إنه يرسم خطًا أحمر قانونيًا قبل أن تتحول الجباية إلى أمر واقع يُدرج في أي تسوية مقبلة. فالمفاوضات حول هرمز قائمة، والسؤال لم يعد فقط متى يُفتح المضيق، بل بأي شروط. وإذا تضمنت التسوية رسومًا، علنية أو مقنّعة، فإن العالم يكون قد كتب بيده سابقة ستُقرأ في كل ممر مائي لعقود.
المطلوب الآن أن يتسع هذا التحالف لا أن يضيق، وأن تنضم إليه القوى التي تملك الأساطيل والأسواق معًا. فحرية الملاحة ليست منّة من القوي على الضعيف، بل هي العقد الذي يجعل الضعيف والقوي يبحران في الماء نفسه.
في التاريخ البحري، كانت المضائق دائمًا مكانًا يختبر فيه العالم صدق قوانينه. وهرمز اليوم يطرح السؤال ببساطة قاسية: هل البحر ملكٌ لمن يعبره، أم لمن يقف على بابه؟ وما لم يُجب العالم بوضوح، فسيجد نفسه قريبًا يدفع عند كل مضيق ثمنًا لحرية كان يظنها مجانية.
