تعهّد السيسي بالدفاع عن السعودية يعيد إلى الحياة فكرة الأمن العربي المشترك، لكنه يضع القاهرة أمام امتحان صعب: كيف تردع دون أن تنزلق؟
من منصة التخرج إلى قبة البرلمان
لم يختر الرئيس عبد الفتاح السيسي قاعة مؤتمرات ولا بيانًا رسميًا ليقول أخطر ما قاله منذ سنوات في السياسة الإقليمية. اختار منصة حفل تخرّج في الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، أمام مئات الضباط الشبان، ليعلن أنه طلب من البرلمان جلسة طارئة تخوّله اتخاذ “أي إجراءات لازمة” لحماية المملكة العربية السعودية إذا طلبت الرياض ذلك. وخلال ساعات، أعلن مجلس النواب انعقاده يوم الأحد الثامن عشر من أكتوبر.
المشهد في ذاته رسالة. فالجمهور هنا هو جيل سيحمل السلاح، والكلام موجّه إلى ثلاث عواصم في آن واحد: الرياض التي تتلقى الصواريخ والمسيّرات، وصنعاء التي تطلقها، وطهران التي تقف خلفها بحسب الرواية الخليجية والغربية. وحرص السيسي على تقييد العبارة بقوله إنه لا يتحدث عن هجوم أو شنّ حرب، بل عن الدفاع وحده، وإن مصر لا تسعى إلى لعب دور.
أطروحتي في هذا المقال بسيطة: إن قيمة التعهد المصري تكمن في أن يبقى ورقة ردع لا تُستخدم، وإن نجاحه الحقيقي سيُقاس بقدرته على دفع الأطراف نحو التسوية، لا بعدد الجنود الذين قد يعبرون البحر الأحمر.
حربٌ تقترب من صالات المسافرين
لم يأتِ الإعلان من فراغ. فمنذ الصيف، حين أعلن الحوثيون ما سمّوه حصارًا بحريًا على الموانئ السعودية وتوسعوا ميدانيًا داخل اليمن، دخلت المواجهة طورًا جديدًا انتهى بحملة عسكرية واسعة يقودها التحالف بقيادة السعودية في أكتوبر. وفي العاشر من الشهر نفسه، ضرب هجوم مطار الملك خالد الدولي في الرياض، فأوقع وفق الأرقام الرسمية الأولى اثني عشر قتيلًا وأكثر من ثلاثمئة جريح، قبل أن تشير صحيفة “ذا ناشيونال” إلى ارتفاع الحصيلة إلى سبعة عشر قتيلًا، مع توقف كامل للعمليات وعشرين ضربة على المطار منذ مطلع الشهر.
وفي الجهة الأخرى من الحدود، يدفع اليمنيون ثمنًا فادحًا. فقد أفادت أسوشيتد برس بأن الحوثيين يتحدثون عن 124 قتيلًا في مناطقهم منذ تجدد القتال، بينهم ثلاثة أطفال سقطوا في محافظة ذمار يوم الجمعة. وفي الخليج، تعرضت سفينتان قبالة السواحل السعودية لهجمات لم يتبنّها أحد، فيما يستمر التوتر في مضيق هرمز على وقع حرب إيرانية أمريكية لم تنطفئ.
هذه هي البيئة التي قرأت فيها القاهرة المشهد: حرب لم تعد محصورة في جبال اليمن، بل تطرق أبواب العواصم والممرات البحرية معًا.
لماذا تتحرك القاهرة الآن؟
ثمة ثلاثة دوافع تفسر توقيت التعهد المصري.
الأول استراتيجي. فقد كرر السيسي أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وهي عبارة رددتها القاهرة عقودًا، لكنها اليوم تُختبر بالصواريخ لا بالخطب.
الثاني اقتصادي بامتياز. فالبحر الأحمر ليس جغرافيا بعيدة عن مصر، بل هو شريان قناة السويس. وقد أعلن رئيس هيئة القناة أسامة ربيع في يونيو الماضي أن إيرادات العام المالي 2025/2026 بلغت نحو 4.67 مليار دولار، أي قرابة نصف الرقم القياسي البالغ 9.4 مليار دولار في 2022/2023. كل صاروخ يُطلق قرب باب المندب يُقتطع عمليًا من خزينة القاهرة.
الثالث سياسي ووجداني. فقد خصّ السيسي في كلمته السعودية والإمارات والكويت بالشكر على دعمها التاريخي لمصر في أزماتها. والتحالفات التي تُبنى في الأيام الصعبة تُستدعى حين تشتد الأيام على الحلفاء.
شبحُ 1962 الذي لا يغيب
لكن لليمن في الذاكرة المصرية وقعًا خاصًا. ففي عام 1962 أرسل جمال عبد الناصر قوة محدودة لدعم الجمهوريين في اليمن، ثم وجد نفسه بعد سنوات وقد رفعها إلى نحو سبعين ألف جندي. خسرت مصر في تلك الحرب أكثر من عشرة آلاف رجل ومليارات الدولارات، ويروي مؤرخون أن عبد الناصر نفسه وصف اليمن في ربيع 1967 بأنه “فيتنام” الخاصة به، قبل أشهر من هزيمة يونيو.
المفارقة اللافتة أن مصر تعود اليوم إلى المسرح نفسه ولكن في الخندق المقابل لما كانت فيه قبل ستة عقود، إلى جانب الرياض لا في مواجهتها. وهذا تحول يلخص كيف أعادت المنطقة رسم خرائط تحالفاتها.
ويبدو أن القاهرة تعلمت الدرس، أو هكذا توحي صياغة التعهد: الدفاع لا الهجوم، وبطلب سعودي لا بمبادرة منفردة، وبتفويض برلماني لا بقرار فردي. إنها لغة دولة تريد أن تردع دون أن تُستدرج إلى مستنقع، وأن ترسم حدودًا لتدخلها قبل أن يبدأ.
من الفكرة المؤجلة إلى الاختبار العملي
في مارس 2015، وفي قمة شرم الشيخ تحديدًا، أعلن السيسي نفسه أن القادة العرب اتفقوا مبدئيًا على تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة، على أساس طوعي. ثم مرت السنوات وبقيت الفكرة حبيسة الأدراج، مثلها مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950، التي عاشت في النصوص أكثر مما عاشت في الميدان.
ما يحدث اليوم قد يكون أول اختبار جدي لتلك الفكرة المؤجلة: ليس في صورة جيش عربي موحد، بل في صورة شبكة التزامات ثنائية مرنة، تقوم على مصالح ملموسة لا على شعارات. وهذا ربما أكثر واقعية وأطول عمرًا.
غير أن الردع سلاح ذو حدين. فإذا قُرئ التعهد المصري في طهران وصنعاء على أنه رفع لكلفة التصعيد، فقد يفتح نافذة للتهدئة. أما إذا قُرئ على أنه توسيع للحرب، فقد يدفع الطرف الآخر إلى مزيد من المغامرة. والفارق بين القراءتين تصنعه الدبلوماسية المرافقة، لا البيانات وحدها.
ما بعد الجلسة الطارئة
لقد دعا السيسي في الكلمة ذاتها إلى خفض التوتر في المنطقة وحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر. وهنا بيت القصيد. فالحرب في اليمن لن تُحسم بإضافة جيش إلى جيوش، بل بتسوية سياسية تعيد للبلد المنهك دولة، ولجيرانه طمأنينة، وللبحر الأحمر سكينته.
المطلوب من القاهرة والرياض وأبوظبي وسائر العواصم العربية أن تجعل من هذا التعهد رافعة لطاولة تفاوض، لا مقدمة لجبهة جديدة. فالأمن العربي المشترك لا يُختبر في القدرة على خوض الحروب، بل في القدرة على منعها.
قبل ستين عامًا ذهبت مصر إلى اليمن بحثًا عن دور، فعادت مثقلة بالخسائر. واليوم تقول إنها لا تبحث عن دور. وإذا صدقت الكلمة والفعل معًا، فقد يكون أفضل ما في هذا التعهد أنه لن يحتاج أبدًا إلى التنفيذ.
