يسعى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا حثيثاً لفرض ضرائب جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي لتمويل ميزانيته طويلة الأجل، عقب قمة غير حاسمة عُقدت الأسبوع الماضي وكشفت عن انقسام عميق بين القادة حول حجم المساهمات المالية.
وتتجه بروكسل نحو استكشاف آليات جباية مباشرة تشمل قطاعات حيوية كالشركات الكبرى، الخدمات الرقمية، انبعاثات الكربون، القمار الإلكتروني، والتبغ، لتخفيف العبء عن الحكومات الوطنية الرافضة لزيادة مدفوعاتها.
وأكد كوستا في مؤتمر صحفي عقب القمة: “للوصول إلى اتفاق، علينا إبقاء المساهمات الوطنية عند مستوى معقول، مع الحفاظ على طموحنا والوسائل اللازمة لتنفيذ أولوياتنا المشتركة.
ولتحقيق ذلك، من الأساسي تعزيز العمل على الموارد الذاتية الجديدة”. ترك هذا العجز عن تسوية الخلافات مهمة توجيه المفاوضات الحاسمة على كاهل رئيس المجلس، دون استبعاد أي خيار ضريبي مطروح.
إيرادات الميزانية بين مقترحات التسوية واعتراضات البرلمان
واصطدمت مساعي إيجاد مصادر دخل جديدة، أو ما يُعرف في أروقة بروكسل بـ”الموارد الذاتية”، بتباين واضح في الرؤى خلال الجولات الأوروبية.
طرحت أيرلندا تسوية حدد ملامحها وزير الدولة للشؤون الأوروبية توماس بيرن عبر ثلاثة شروط أساسية: تحقيق الإجماع، توفير تمويل ضخم، والجاهزية للتطبيق بحلول مطلع عام 2028.
غير أن هذا الطرح قوبل بانتقادات حادة، أبرزها من البرلمان الأوروبي الذي يعتقد أن فرض ضرائب على الخدمات الرقمية، الأصول المشفرة، والقمار يمكن أن يرفد الميزانية بنحو 25 مليار يورو سنوياً.
وفي هذا السياق، انتقدت النائبة الأوروبية دانوشي نيرودوفا المقاربة الحالية قائلة: “من الواضح أن الرئاسة رفضت اتخاذ أي قرار في جانب الإيرادات، واكتفت باقتراح تعديلات طفيفة.
ونحن نشعر بخيبة أمل كبيرة لأن أيا من مقترحات البرلمان لم يؤخذ في الاعتبار، رغم تلقيه ردود فعل إيجابية من دول أعضاء عدة”.
استهداف الشركات الكبرى ومخاوف التصادم مع واشنطن
وحافظت التسوية الأيرلندية على مقترح ضريبة الشركات “CORE”، والذي يُعد نقطة خلافية بارزة لاعتبار بعض الحكومات أنه يضر بالتنافسية الاقتصادية للتكتل.
في المقابل، تدافع المفوضية الأوروبية عن المشروع مبينة أنه يستهدف حصراً الشركات الضخمة التي تتجاوز إيراداتها الصافية 100 مليون يورو سنوياً، وبمساهمات تقل غالباً عن مكافآت مسؤوليها التنفيذيين.
وتدرس المفوضية حالياً دمج هذا المقترح مع رسوم رقمية جديدة، مع تصميم آلية ترفع الحد الأدنى للمداخيل الخاضعة للضريبة لضمان تحميل العبء الأكبر للشركات الأجنبية العملاقة، سواء كانت أميركية أو آسيوية، لتجنب استهداف قطاع محدد وتلافي إثارة غضب الولايات المتحدة.
عقبات سياسية أمام ضرائب الكربون والتبغ
تبرز انقسامات حادة حول فكرة تحويل 30% من عائدات نظام تجارة الانبعاثات “ETS” إلى الميزانية الأوروبية المشتركة. تتصدر بولندا جبهة الرفض لهذا التوجه بسبب الحساسية السياسية للملف داخلياً، خصوصاً مع اقتراب موعد انتخاباتها العام المقبل. على مسار موازٍ، يشهد مقترح رسوم التبغ الخاص “TEDOR” -الذي يلزم الدول بدفع 15% من الرسوم الانتقائية على التبغ للاتحاد- معارضة شرسة تقودها لوكسمبورغ.
ورغم صغر مساحتها، تستغل الدوقية موقعها كدولة مساهمة صافية لعرقلة هذا التوجه، وسط مخاوف حكومية من أن تؤدي هذه الرسوم إلى تنشيط السوق السوداء وتخفيض جودة المنتجات.
خيارات بديلة وتوجهات مستقبلية لجمع الأموال
وتحظى بعض المقترحات بقبول أوسع، مثل آلية تعديل ضريبة الكربون على الحدود “CBAM” التي تفرض رسوماً على واردات محددة كالفولاذ والأسمنت لضمان تكافؤ الفرص مع المنتجين الأوروبيين، إلى جانب ضريبة النفايات الإلكترونية التي تقتصر تحدياتها على الجوانب التقنية.
بالمقابل، تواجه ضريبة القمار عبر الإنترنت رفضاً قاطعاً من مالطا التي تحتضن مقار كبرى شركات المراهنات، بينما تُستبعد ضريبة الأصول المشفرة لصعوبة تطبيقها وتقلب عائداتها.
ورغم اقتراح اليونان تنسيق مزادات طيف تكنولوجيا “6G” لتمويل الميزانية، تتمسك العواصم الأوروبية بسيادتها على هذا المورد المالي التقليدي.
ونقلت شبكة “يورونيوز” عن مسؤول مطلع في الاتحاد الأوروبي قوله: “حان الوقت لتقييم الوضع وتحديد أفضل طريق للمضي قدما. نحن لا نستبعد الأخذ بأي من المقترحات المطروحة”، مضيفا: “سنحتاج إلى تعديل الموارد الذاتية بما يسمح بتوزيع تأثيرها بصورة أكثر عدلا على الدول الأعضاء”.
