يواجه المقر الرئيسي لصحيفة “الغارديان” البريطانية في منطقة “كينجز كروس” أزمة جديدة تتمثل في تفشي “بق الفراش” وحشرات أخرى، مما أربك جهود الإدارة المستمرة منذ أكثر من عام لإلزام الصحفيين والموظفين بالعودة إلى العمل المكتبي المنتظم.
واضطرت الصحيفة إلى الاستعانة بفرق متخصصة في مكافحة الآفات للسيطرة على الوضع داخل غرفة الأخبار، مانحةً موظفيها الضوء الأخضر للعمل من المنزل مؤقتاً ريثما يتم تطهير المبنى.
جهود المكافحة وتراجع اضطراري عن العمل المكتبي
لم تكن التدابير الأولية التي اتخذتها إدارة الصحيفة كافية لاحتواء الأزمة؛ فبعد عملية تنظيف شاملة نُفذت في الطابق الثاني مطلع شهر سبتمبر، تجددت بلاغات الموظفين حول رصد حشرات وبق فراش في أنحاء متفرقة من المكتب.
ودفع هذا التطور مسؤولي الصحيفة إلى توجيه رسالة إلكترونية للعاملين، وتحديداً صغار الموظفين، تفيد بإمكانية متابعة مهامهم من المنزل لتجنب التواجد في المكتب أثناء عمليات المكافحة، معترفين في رسالتهم بأن الوضع قد يكون “مزعجاً لبعض الموظفين”.
ويشكل هذا التفشي عقبة غير متوقعة أمام سياسة التواجد الإلزامي التي أقرتها رئيسة تحرير الصحيفة، كاثرين فاينر، منذ بداية عام 2024.
وتشترط هذه السياسة -المشابهة لإجراءات إدارات “وايتهول”- حضور الموظفين إلى مكان العمل لثلاثة أيام أسبوعياً كحد أدنى، في محاولة لإنهاء حالة التشتت التي خلفتها جائحة كوفيد-19.
نقابة الصحفيين تتدخل على خط الأزمة
سارع الاتحاد الوطني للصحفيين في بريطانيا (NUJ) إلى استغلال الموقف، حيث عمم على موظفي الصحيفة رابطاً لمقال نشرته “الغارديان” سابقاً يحذر من مخاطر هذه الطفيليات.
ودعت النقابة أعضاءها إلى عدم الرضوخ لأي ضغوط إدارية تلزمهم بالحضور خلال فترة التفشي، مشددة على ضرورة اللجوء إلى الممثلين النقابيين في حال التعرض لأي ضغط، وحثتهم على التعرف الدقيق على طبيعة بق الفراش وطرق التعامل معه.
ولم تكن النقابة على وفاق مع سياسة العودة للمكاتب منذ إقرارها، حيث انتقدت غياب التشاور المسبق مع القوى العاملة.
وسبق أن أجرت استطلاعاً لتقييم أثر هذه السياسة، ركزت فيه على الأعباء المالية والبيئية للتنقل، وتأثير ذلك على الوقت المخصص للحياة الشخصية، بما في ذلك رعاية الحيوانات الأليفة.
الجدل البريطاني حول مرونة العمل
تتزامن أزمة “الغارديان” الداخلية مع نقاش سياسي وقانوني أوسع يشهده الشارع البريطاني حول مستقبل “العمل من المنزل”.
ففي حين تضغط المؤسسة الإعلامية ذات التوجهات اليسارية لإعادة موظفيها للمكاتب، يتبنى حزب العمال الحاكم توجهاً معاكساً يهدف إلى تسهيل ترتيبات العمل المرنة وتعزيز حماية العمال بموجب قانون حقوق العمل المرتقب.
وفي هذا السياق، أكدت لويز هايغ -التي أُشير إلى إدانتها سابقاً في قضايا احتيال- خلال حديثها أمام مندوبي مؤتمر نقابات العمال (TUC)، أن التشريعات المقترحة ستلزم الشركات بإجراء تقييم دقيق وتقديم مبررات واضحة قبل رفض أي طلب للعمل من المنزل.
وأوضحت قائلة: “إذا أراد صاحب العمل رفض الطلب، فعليه الجلوس مع موظفه وشرح السبب، فهناك أطفال يحتاجون للاصطحاب، وآباء بحاجة للرعاية، وأحياناً تُحدث المرونة البسيطة فرقاً كبيراً”.
أزمات متلاحقة: من التكييف إلى الأجور
لا يعد تفشي بق الفراش الأزمة الوحيدة التي يشهدها مبنى “كينغز بليس”؛ فقد عانى الموظفون سابقاً من أعطال متكررة في نظام تكييف الهواء المصمم وفق معايير صديقة للبيئة، والذي كان يتوقف تلقائياً خلال موجات الحر الصيفية، رغم تأكيدات مصادر مطلعة بأن هذه المشكلة قد حُلّت مؤخراً.
وتترافق هذه التحديات اللوجستية مع احتقان عمالي موازٍ، حيث يخوض صحفيو “الغارديان” نزاعاً حاداً لتحسين مستوى الأجور في ظل غلاء المعيشة وتزايد الأعباء المهنية.
ورفضت النقابة عرضاً بزيادة الأجور بنسبة 3.85%، معتبرة أنه لا يعالج مخاوف الموظفين بشكل هادف، رغم تجاوز النسبة لمعدل التضخم.
وأظهر تصويت استرشادي أُجري الأسبوع الماضي استعداد 86% من الأعضاء لدعم خيار الإضراب الشامل، بينما أيد 96% اتخاذ خطوات احتجاجية تصعيدية.
من جهتها، تصر إدارة الصحيفة على أن عرضها المالي يتسم بالعدالة ويتفوق إيجابياً على ما تقدمه المؤسسات الإعلامية المنافسة في القطاع.
