كشف تحليل أجرته شبكة “سي إن إن” استناداً إلى صور أقمار صناعية حديثة أن إيران نجحت في إعادة فتح 50 مدخلاً من أصل 69 مدخلاً للأنفاق استهدفتها الضربات الأميركية والإسرائيلية في 18 منشأة صاروخية تحت الأرض، في مؤشر على تسارع جهود إعادة تأهيل ترسانتها الصاروخية منذ بدء وقف إطلاق النار.
وأظهرت الصور التي راجعتها الشبكة أن طهران تمكنت من إزالة كميات كبيرة من الأنقاض التي خلفتها الغارات، كما أعادت إصلاح الطرق التي تعرضت للقصف بهدف منع منصات إطلاق الصواريخ من استخدامها.
ويرى خبراء تحدثوا إلى “سي إن إن” أن هذه الجهود “تؤكد أن استهداف مداخل الأنفاق وحده لا يكفي للقضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية بشكل دائم”، محذرين من أن إعادة فتح المداخل “أعادت لإيران إمكانية الوصول إلى جزء مهم من ترسانتها الصاروخية المدفونة تحت الأرض”.
“لا شيء يمنع تزويد المنصات بالمخزون الكبير”
نقلت الشبكة عن سام لير، الباحث المشارك في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، قوله إن إيران “ستبقى قادرة على مواصلة إطلاق الصواريخ طالما أنها تمتلك منصات الإطلاق والأطقم المشغلة لها، حتى لو توقف الإنتاج”، مشيراً إلى أن “لا شيء يمنع تزويد منصات الإطلاق بالمخزون الكبير من الصواريخ الذي لا تزال إيران تمتلكه”.
وأضاف لير أن “الجيش الأميركي حقق نجاحاً تكتيكياً عبر دفن أجزاء من القوة الصاروخية الإيرانية تحت الأنقاض وتعطيلها مؤقتاً، لكن النجاح التكتيكي لا يتحول بالضرورة إلى نجاح استراتيجي إذا لم يقترن بأهداف واضحة وقابلة للتحقيق”.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن إيران استخدمت معدات بسيطة نسبياً، مثل الجرافات والشاحنات القلابة، لإزالة الأنقاض وإعادة فتح المداخل المتضررة.
وخلال فترة القتال، واصلت طهران أعمال الحفر وإزالة الركام رغم المخاطر، فيما تعرضت المعدات المستخدمة في هذه العمليات لغارات أميركية وإسرائيلية متكررة.
وفي قاعدة قرب أصفهان، أظهرت الصور وجود ما لا يقل عن 18 حفرة عند مدخلين فقط، لكن صورة التقطت في أوائل مايو كشفت عن “شاحنة قلابة تعمل على ردم الحفر، بينما كانت مداخل أخرى قد أعيد فتحها بالفعل، كما أعيد تعبيد الطرق المؤدية إليها”.
وفي قاعدة أخرى قرب مدينة خمين، رصدت صورة التقطت في منتصف أبريل وجود “ما لا يقل عن 10 آليات إنشائية تعمل على إعادة فتح أحد مداخل الأنفاق”.
ويقول تيمور كاديشيف، الباحث البارز في معهد أبحاث السلام بجامعة هامبورغ: “لقد كانوا يستعدون لهذا النوع من الحروب منذ عشرين عاماً. إنهم مستعدون للغاية”.
نحو ألف صاروخ تحت الأرض وتحذيرات من إعادة البناء
يعتقد خبراء تحدثوا إلى “سي إن إن” أن إيران لا تزال تحتفظ “بنحو ألف صاروخ داخل منشآتها تحت الأرض”، وأن هذا المخزون “لم يتعرض على الأرجح لأضرار كبيرة نتيجة الضربات التي استهدفت مداخل الأنفاق والطرق على سطح الأرض”.
كما حذر المحللون من أن “الضربات التي استهدفت مصانع الصواريخ الإيرانية قد لا تكون كافية لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها الإنتاجية”. وتظهر صور الأقمار الصناعية أن بعض المنشآت التي تعرضت لهجمات خلال العام الماضي “أعيد بناؤها بالفعل قبل اندلاع الحرب الأخيرة”.
وكشفت تقييمات استخباراتية أميركية أن إيران “بدأت إعادة بناء قدرات عسكرية أساسية، بما في ذلك استئناف إنتاج الطائرات المسيرة وتعويض منصات الإطلاق والطاقة الإنتاجية المفقودة”.
ونقلت الشبكة عن مسؤول أميركي قوله إن “إيران تجاوزت جميع الجداول الزمنية التي وضعتها أجهزة الاستخبارات الأميركية لإعادة بناء قدراتها العسكرية”.
“الفارق كبير بين تكلفة التدمير وتكلفة التعافي”
ركزت العمليات العسكرية في الأسابيع الأولى للحرب على مداخل الأنفاق والطرق المؤدية إليها، بالتوازي مع عمليات تعقب منصات الإطلاق وتدميرها، نظراً لأن بعض هذه المنشآت “تقع تحت مئات الأمتار من الصخور، ما يحد بشكل كبير من قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على استهدافها مباشرة”.
كما نفذت واشنطن وتل أبيب حملة واسعة استهدفت سلسلة الإمداد الخاصة بالصواريخ الإيرانية، بدءاً من مصانع المكونات الإلكترونية وصولاً إلى منشآت إنتاج الوقود الصاروخي وهياكل الصواريخ.
وبعد اتفاق وقف إطلاق النار في 8 أبريل، صرح وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بأن إيران “ستضطر إلى استخراج ما تبقى لديها من منصات إطلاق وصواريخ من تحت الأنقاض من دون قدرة على تعويض خسائرها”.
ولكن كاديشيف لفت إلى “الفارق الكبير بين تكلفة التدمير وتكلفة إعادة التأهيل”، قائلاً إن إحداث هذا النوع من الأضرار “يتطلب أسلحة متطورة وباهظة الثمن، بينما تعتمد عملية التعافي في كثير من الأحيان على وسائل منخفضة التقنية لا تتجاوز الجرافات ومعدات الحفر”.
إيران تتجاوز الجداول الزمنية للاستخبارات الأميركية
وتسارعت أعمال إعادة التأهيل بصورة ملحوظة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل أكثر من سبعة أسابيع. وتتمتع شبكة القواعد الصاروخية الإيرانية تحت الأرض، التي بدأت طهران في بنائها قبل أكثر من عشرين عاماً، بدرجة كبيرة من الحماية.
وكان ترامب قد كتب في منشور على “تروث سوشيال” خلال مارس أن من بين أهداف الحرب “إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية ومنصات الإطلاق وكل ما يتعلق بها بشكل كامل”.
وكشفت تقييمات استخباراتية أميركية أن إيران “بدأت إعادة بناء قدرات عسكرية أساسية، بما في ذلك استئناف إنتاج الطائرات المسيرة وتعويض منصات الإطلاق والطاقة الإنتاجية المفقودة”، ونقلت الشبكة عن مسؤول أميركي قوله إن “إيران تجاوزت جميع الجداول الزمنية التي وضعتها أجهزة الاستخبارات الأميركية لإعادة بناء قدراتها العسكرية”.
النجاح التكتيكي لا يتحول بالضرورة إلى نجاح استراتيجي
أظهرت صور أقمار صناعية راجعتها الشبكة خلال الحرب أن قاعدة أصفهان الشمالية للصواريخ “تعرضت لسلسلة من الضربات أدت إلى تغطية مداخل الأنفاق بالركام وتدمير منصات إطلاق موجودة خارج القاعدة”.
وأشار الخبراء إلى أن إسرائيل استخدمت الأسلوب نفسه خلال “حرب الأيام الاثني عشر” العام الماضي عندما “ركزت على إغلاق المداخل بدلاً من محاولة تدمير الصواريخ المخزنة في الأعماق”.
وسمحت جهود إعادة فتح الأنفاق لطهران “بمواصلة إطلاق الصواريخ طوال الحرب، وإن بمعدلات أقل بكثير من السابق”. كما أظهرت الصور إصلاح الطرق التي تعرضت للقصف، حيث “تم ردم معظم الحفر التي خلفتها الغارات الجوية، فيما أعيد تعبيد بعض الطرق التي دمرت بالكامل”.
وخلص التقرير إلى أن “النجاح التكتيكي لا يتحول بالضرورة إلى نجاح استراتيجي”، في إشارة إلى قدرة إيران على التعافي السريع باستخدام وسائل منخفضة التقنية.
وفي تعليق على نتائج التقرير، لم يقدم المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل رداً مباشراً، مكتفياً بتكرار تصريح سابق أكد فيه أن “الجيش الأميركي هو الأقوى في العالم ويملك كل ما يحتاجه لتنفيذ العمليات”، بينما لا تزال أشهر من المفاوضات مطلوبة للتوصل إلى التفاصيل النهائية لاتفاق إعادة فتح مضيق هرمز.
