شهدت القارة الأوروبية خلال الأعوام الخمسة الماضية صراعاً محتدماً بين ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومحاولات الحكومات تكييف الحد الأدنى للأجور لتخفيف وطأة التضخم.
وفي حين تمكنت الأجور من التفوق على غلاء المعيشة في معظم الدول، كشف تحليل شامل أجرته “يورونيوز بزنس” لـ 26 دولة أوروبية أن هذا السباق أسفر عن تفاوت حاد في القدرة الشرائية للعمال؛ فبينما عززت بعض الدول سلة غذاء عمالها، تآكلت الرواتب في دول أخرى مقارنة بما كانت عليه في عام 2021.
خريطة تضخم الغذاء وحرب الأسعار
وبدأت أسعار السلع الغذائية في الاتحاد الأوروبي مساراً تصاعدياً قبل فبراير 2022، إلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا ضاعفت الضغوط بشكل جذري. فقد أدت الأزمة إلى قفزات في تكاليف الطاقة، والأسمدة، والشحن، واضطراب أسواق السلع الزراعية، مما انعكس مباشرة على فواتير التسوق.
ووفقاً لبيانات “يوروستات”، قفزت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية داخل الاتحاد الأوروبي بنسبة 34 بالمئة بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. وتصدرت المجر دول التكتل بزيادة بلغت 57 بالمئة، تلتها بلغاريا (54 بالمئة) ورومانيا (53 بالمئة).
وعلى النقيض، سجلت قبرص أدنى ارتفاع بنسبة 21 بالمئة، في حين احتفظت سويسرا -ضمن عينة أوسع لـ 35 دولة- بالمعدل الأدنى أوروبياً بزيادة 5 بالمئة فقط.
وفي كبرى الاقتصادات الأوروبية، بلغت نسب الزيادة 35 بالمئة في إسبانيا، و34 بالمئة في ألمانيا، و30 بالمئة في إيطاليا، و25 بالمئة في فرنسا.
زيادات الأجور.. هل تعكس الواقع؟
لمواجهة هذا الغلاء، اتجهت الكثير من الدول الأوروبية إلى رفع الحد الأدنى القانوني للأجور المحتسب بالعملة المحلية. داخل الاتحاد الأوروبي، سجلت المجر أعلى قفزة في الحد الأدنى للأجر الإجمالي بنسبة 93 بالمئة، تلتها ألمانيا بـ 46 بالمئة، ثم إسبانيا بـ 29 بالمئة، وفرنسا بـ 20 بالمئة.
وخارج التكتل، تضاعفت الأجور تقريباً في صربيا بزيادة 103 بالمئة، والجبل الأسود بـ 102 بالمئة. ورغم هذه القفزات الرقمية، يشير التحليل إلى أن مقارنة نسب زيادة الأجور بنسب التضخم قد تكون مضللة.
فالمقياس الأدق يكمن في تقييم القدرة الشرائية الفعلية، أي احتساب كمية السلال الغذائية التي يمكن للأجر الشهري الإجمالي أن يشتريها اليوم مقارنة بعام 2021، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا القياس لا يعكس ما يتبقى للعامل بعد اقتطاع الضرائب ونفقات السكن.
تفاوت حاد في القدرة الشرائية
عند تطبيق معيار السلة الغذائية، يتبين أن عمال الحد الأدنى في ثلاث دول من أصل 26 جرى تحليلها فقدوا جزءاً من قدرتهم الشرائية.
وسجلت مالطا التراجع الأكبر، حيث انخفض ما يمكن للعامل شراؤه من 100 سلة غذائية في أغسطس 2021 إلى 94 سلة في أغسطس 2026 (بانخفاض 6 بالمئة). وتلتها إسبانيا بتراجع قدره 5 بالمئة، ثم فرنسا بـ 4 بالمئة.
في المقابل، برزت صربيا والجبل الأسود كأكبر الفائزين في هذا السباق، حيث ارتفعت كمية الغذاء المتاحة لعمال الحد الأدنى بنسبة 37 بالمئة (137 سلة بدلاً من 100).
وسجلت دول أخرى مثل كرواتيا، وألبانيا، ورومانيا، والمجر، وبلغاريا، وليتوانيا زيادات مريحة تجاوزت حاجز الـ 20 بالمئة.
كما تحسنت القدرة الشرائية الغذائية بنسبة 10 بالمئة في إيرلندا، و9 بالمئة في ألمانيا، و7 بالمئة في اليونان، و6 بالمئة في كل من بلجيكا وهولندا، و3 بالمئة في البرتغال.
الحالة التركية: تضخم مفرط وسباق محموم
شكلت تركيا حالة اقتصادية شاذة خلال هذه الفترة. فقد شهدت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية قفزة هائلة بلغت 752 بالمئة.
وجاء هذا الارتفاع محصلة لسنوات من التضخم المرتفع الذي أججه الانخفاض الحاد في قيمة الليرة، مما رفع تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج.
وكان هذا التراجع في العملة مدفوعاً بسلسلة خفض أسعار الفائدة التي بدأت عام 2021، ما جعل الليرة أقل جاذبية للاحتفاظ بها، قبل أن يتغير المسار في 2023 برفع الفائدة بقوة دون أن يوقف ذلك زحف الأسعار.
بموازاة ذلك، رفعت تركيا الحد الأدنى للأجور بنسبة غير مسبوقة بلغت 823 بالمئة. ورغم أن الفارق بين نسبتي الزيادة في الأجور والغذاء (المفهرستين عند مستوى 100 في أغسطس 2021) يبلغ 71 نقطة مئوية، إلا أن الزيادة الفعلية في القدرة الشرائية الغذائية للعامل التركي استقرت عند 8 بالمئة فقط.
وتُظهر مسارات المؤشرات أن العمال هناك فقدوا جزءاً من قدرتهم الشرائية خلال فترات من عامي 2021 و2022 عندما كانت وتيرة غلاء الغذاء تسبق تعديلات الأجور، قبل أن يستعيد الحد الأدنى للأجر زمام المبادرة متقدماً على الأسعار منذ يناير 2024، ليوفر للعمال اليوم قدرة شرائية تتجاوز قليلاً ما كانت عليه عند نقطة البداية.
