تشهد اللغة الأمازيغية، وهي من أقدم لغات العالم، توسعاً ملحوظاً في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبرامج الرقمية خلال السنوات الأخيرة، بعد عقود من البقاء على هامش الفضاء الرقمي.
وأصبحت روبوتات محادثة كبرى مثل “شات جي بي تي” و”غروك” و”جيميني” توفر الترجمة من وإلى الأمازيغية، فيما تساعد نماذج ذكية على إنشاء صور تتضمن حروفاً ورموزاً أمازيغية، إلى جانب إنتاج أغانٍ ومحتويات صوتية بها.
ويرى خبراء أن هذا التوجه من شأنه المساهمة في انتشار اللغة وتعزيز حضورها الرقمي، في وقت تتفرع فيه الأمازيغية إلى لهجات متعددة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وشمال مالي، حيث أسس المغرب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2001 لبناء لغة معيارية موحدة.
ويقول مادغيس أومادي، الخبير الليبي في اللغة الأمازيغية، إن “أهم بادرة لإدماج الأمازيغية في الذكاء الاصطناعي قامت بها غوغل، وأدخلت الترجمة إليها في روبوت جيميني، الذي يعد أفضل مترجم من وإلى اللغة”.
ويضيف في حديث لموقع “سكاي نيوز عربية” أن الروبوت “يعطيك خيارات عند الترجمة لاختيار إما اللغة المعيارية التي وضعها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب، أو الأمازيغية القبائلية في الجزائر”.
ويكشف أومادي عن تجربته الشخصية مع برنامج ذكاء اصطناعي يدعى “نيتن”، قائلاً: “أستخدمه للإجابة على الرسائل في واتساب والحجز في المطاعم والفنادق، أتحدث معه بالأمازيغية ويجيبني بها”.
ويؤكد أنه “بفضل الذكاء الاصطناعي أصبح يمكن ترجمة محتويات الإنترنت من لغات أجنبية إلى الأمازيغية بكل سهولة وسلاسة واحترافية”.
ألعاب وكلمات متقاطعة وتطبيقات تصحيح نطق
ويكشف أومادي عن مشاريع شخصية طورها بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، قائلاً: “لعبة سكروبو في السابق كان يصعب لعبها مع الكمبيوتر، أما الآن فيمكنك لعبها مباشرة بالأمازيغية. كما ابتكرت برنامجاً للكلمات المتقاطعة بالأمازيغية”.
من جهته، يعمل محمد أيمن فرحي، مطور برامج ذكاء اصطناعي متخصص في اللغات قليلة المصادر الرقمية، على بناء آليات لمعالجة الأمازيغية مثل تحويل الصوت إلى نص والعكس والترجمة الآلية.
ويقول فرحي للموقع إنه “اشتغل مع العديد من المنظمات لبناء برمجيات خاصة بالأمازيغية، منها منظمة مقرها في كتالونيا”، مؤكداً أن الهدف هو “المساعدة في تعلم اللغة وتوسيع انتشارها عبر برامج لتصحيح النطق والأخطاء وابتكار ترجمة فورية”.
خبير: على الأمازيغ نقل هويتهم وفكرهم إلى الذكاء الاصطناعي
ويرى عبد الله بوزنداك، الأستاذ الباحث في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن الذكاء الاصطناعي “مفيد للغة الأمازيغية ويطور المحتوى المكتوب بها على الإنترنت، خاصة في مجال الموسيقى”.
ويضيف أن هذه التقنيات “ستساهم في بناء تطبيقات ومعاجم فعلية لتدريس الأمازيغية للكبار والصغار”. وعن إمكانية توحيد اللهجات، يوضح بوزنداك أن “استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج لنا لغة موحدة لكن على المدى البعيد”، مشيراً إلى أن المغرب “يعمل الآن على بناء لغة أمازيغية موحدة وتعميمها في جميع الأسلاك التعليمية، وهذا سيسفر عن لغة موحدة ستتقنها الأجيال القادمة”.
ويلفت إلى أن الذكاء الاصطناعي “سيساهم أيضاً في انتشار الدارجة المغربية وتطوير المحتوى الذي يعتمد عليها، خاصة في المجال الفني”.
ويؤكد ياسين أخياط، الخبير العضو في المجلس الوطني للجمعية المغربية للتبادل والبحث الثقافي، أن “استخدام الذكاء الاصطناعي يشكل تحدياً لجميع اللغات”، مشيراً إلى أن لغات مثل الإنجليزية والصينية “تعد أساساً لمجموعة من البرمجيات، بينما تبقى الأمازيغية على الهامش بحكم أنها لغة محدودة في دول شمال إفريقيا”.
ويشدد أخياط على أن “على الأمازيغ الإدراك والوعي بالهوية والفكر الأمازيغيين من أجل نقلهما إلى الذكاء الاصطناعي، فما يقدمه هذا الأخير ما هو إلا انعكاس لما يحمله الإنسان معرفياً ولغوياً وهوياتياً”.
ويلاحظ أن “الترجمة إلى الأمازيغية تطورت، غير أن هناك مشاكل في الترجمة منها إلى لغات أخرى، لأن الذكاء الاصطناعي لم يستوعب بعد بعض خصائص اللغة الأمازيغية وبنائها ومفاهيمها ومعانيها”.
ويختتم بالإشارة إلى أن “التفاعل الرقمي بالأمازيغية سيساعد في التراكم المعرفي لهذه اللغة”، مؤكداً أن “المغرب سيكون له دور كبير في الحفاظ على الأمازيغية كمكون إنساني للبشرية جمعاء”.
