تشهد مناطق واسعة في ألمانيا بداية غير معتادة لشهر أكتوبر، حيث تسيطر أجواء دافئة تقارب صيفاً متأخراً وتدفع درجات الحرارة لملامسة حاجز الـ 25 درجة مئوية، مما يغني الكثيرين عن ارتداء المعاطف الشتوية.
ويعيد هذا الدفء الاستثنائي إلى الأذهان قاعدة زراعية قديمة متوارثة تحذر من أن “أكتوبر الدافئ واللطيف يتبعه شتاء قاسٍ”، لتدق جرس إنذار مبكر يحث على تجهيز الملابس الشتوية ومعدات إزالة الثلوج. لكن التفسيرات المناخية الحديثة تضع هذه المقولة الشعبية تحت مجهر العلم لتختبر مدى دقتها وارتباطها بالواقع.
وتؤكد بيانات القياس الرسمية الصادرة عن مكتب الأرصاد الألماني أن الشعور بحرارة الطقس يستند إلى واقع ملموس؛ فقد سجل شهر سبتمبر 2026 متوسط حرارة بلغ 15.9 درجة مئوية، متجاوزاً المعدل طويل الأمد بمقدار 2.6 درجة، وترافق ذلك مع تراجع ملحوظ في معدلات هطول الأمطار.
وبلغت درجات الحرارة ذروتها في 30 سبتمبر بتسجيل 31 درجة على نهر الراين الأعلى و29 درجة في شمال بادن. ومع دخول الأول من أكتوبر، استمرت الحرارة بمستوياتها المرتفعة مسجلة 25 درجة في بافاريا وساكسونيا، وما بين 23 و25 درجة في العاصمة برلين وبراندنبورغ. ورغم استمرار هذا الدفء، ترجح التوقعات حدوث تغير في المنظومة الجوية سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة.
شتاء 2006 يسقط الأساطير المناخية
واستُخدمت قواعد الفلاحين قديماً كتقويم لحالة الطقس وإرشاد يومي قبل تطور النماذج الحاسوبية والأقمار الصناعية وبالونات القياس.
غير أن الاحتكام إلى السجلات التاريخية يكشف غياب الرابط العلمي في هذه القواعد، ولعل أبرز مثال معاكس سُجل في خريف عام 2006 الذي اتسم بدفء استثنائي. فبدلاً من شتاء قارس كما تقتضي القاعدة، أعلن مكتب الأرصاد حينها عن أدفأ شتاء منذ بدء السجلات المنتظمة عام 1901.
وبلغ متوسط الحرارة في شتاء 2006/2007 نحو 4.3 درجة مئوية، متجاوزاً المعدل الطبيعي بـ 4.1 درجة، مع غياب تام لفترات الصقيع الطويلة، وتسجيل أرقام قياسية للدفء في شهري ديسمبر ويناير.
تعقيدات الرصد الجوي والدوامة القطبية
ويتأثر طقس الشتاء في ألمانيا بعوامل ديناميكية معقدة تتجاوز الملاحظات التقليدية، إذ تتحكم فيه تيارات جوية واسعة النطاق، وأنماط توزيع الضغط الجوي فوق المحيط الأطلسي، وما يُعرف بتذبذب شمال الأطلسي.
وإلى جانب ذلك، تلعب التغيرات في الغلاف الجوي وحركة “الدوامة القطبية” (Polarwirbel) دوراً حاسماً في توجيه وتوزيع الكتل الهوائية الباردة.
وتجعل هذه المتغيرات المتشابكة من التنبؤات الجوية الدقيقة لأشهر قادمة أمراً بالغ الصعوبة حتى على النماذج التكنولوجية الحديثة، حيث تتراجع دقة التوقع الجازم لحالة الطقس في يوم محدد لحساب التركيز على الاحتمالات والمسارات المناخية الممكنة.
ظاهرة “إل نينيو” وحسابات الشتاء القادم
يبرز عامل مناخي حاسم يجعل التنبؤ بشتاء 2026/2027 أمراً مثيراً للاهتمام، ويتمثل في التطور القوي غير المعتاد لظاهرة “إل نينيو” في منطقة المحيط الهادئ الاستوائية.
وتؤكد هيئة الأرصاد والمناخ الأمريكية (NOAA) وجود احتمالية تتجاوز 90 في المئة لحدوث موجة “إل نينيو” قوية جداً خلال الخريف والشتاء.
وترتفع التوقعات بنسبة 75 في المئة لأن تتخطى شدة هذه الظاهرة، بين شهري أكتوبر وديسمبر، المستويات المسجلة منذ عام 1950. ورغم تأثير “إل نينيو” البارز في المنظومة المناخية العالمية، إلا أن انعكاساتها الإقليمية تتباين وترتبط بظروف جوية مرافقة غير مضمونة.
وعليه، يبقى احتمال تعرض البلاد لأجواء شتوية قاسية في يناير أو فبراير قائماً علمياً، إلا أنه يرتبط بتفاعلات الغلاف الجوي ولا يتأسس بأي حال على دفء أكتوبر، الذي لا يُعد مؤشراً حتمياً لاقتراب الصقيع.
