تشهد الساحة الألمانية تطورات متلاحقة في ملف الهجرة، إذ برزت مؤخراً تحركات حكومية لخفض تمويل خدمات الاستشارة المستقلة لطالبي اللجوء بنسبة هائلة تبلغ 80%، في وقت وجهت فيه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دعوات صارمة بضرورة الحفاظ على وضع الحماية الخاص باللاجئين السوريين نظراً لعدم استقرار الأوضاع في بلادهم.
أكدت ممثلة المفوضية في ألمانيا، كاتارينا توته، أن الشروط الموضوعية لإسقاط وضع الحماية عن السوريين لم تتحقق بعد. ورغم التغيرات التي أعقبت انتقال السلطة في أواخر عام 2024، ترى المنظمة الأممية أن التحسن في الجانب الأمني وحالة حقوق الإنسان يفتقر إلى الاستدامة والجذرية التي تبرر اتخاذ قرار بإنهاء الحماية.
وتستند المفوضية في تقييمها إلى واقع مرير يعيشه الداخل السوري، حيث يرزح 90% من السكان تحت وطأة الفقر، مع استمرار موجات النزوح الداخلي للملايين، وتسجيل أعمال عنف متفرقة، ناهيك عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية الحيوية كالمدارس والمراكز الطبية.
مسارات بديلة للاندماج
طالبت المسؤولة الأممية بمنح آفاق مستقبلية واضحة للسوريين الذين حققوا نجاحات ملموسة في الاندماج المهني والاجتماعي داخل ألمانيا.
وقدمت المفوضية توصية رسمية تدعو السلطات إلى توفير تصاريح إقامة مبنية على مسوغات قانونية جديدة للأشخاص المقيمين بموجب حماية منذ فترة طويلة والمندمجين في الدورة الاقتصادية، حتى وإن لم يستوفوا المعايير الخاصة بالعمالة الماهرة، وذلك لضمان استقرارهم واستمرار إسهامهم في المجتمع.
تخفيض حاد لتمويل الاستشارات
وتعكف وزارة الداخلية الاتحادية، تحت إدارة الوزير ألكسندر دوبريندت، على تنفيذ خطة لتقليص الميزانية المخصصة لاستشارات اللجوء المستقلة من 24.5 مليون يورو خلال العام الجاري، لتستقر عند 5 ملايين يورو فقط في العام القادم.
وكشفت وثيقة حقائق وزارية، حصل عليها نواب من حزب “اليسار” ونشرتها وكالة الأنباء الإنجيلية، أن هذه الخدمات لن تبقى متاحة للعموم كما في السابق، بل ستُحصر في طالبي اللجوء الذين يُصنفون ضمن الفئات “الأكثر ضعفاً”.
التبرير الحكومي والمخاوف الحقوقية
وتدافع الحكومة الألمانية عن هذه الاقتطاعات باعتبارها إجراءً إدارياً وقانونياً، مشيرة إلى أن طالبي اللجوء سيواصلون تلقي المعلومات القانونية المجانية عبر المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF).
وتؤكد الوزارة أن الإجراء يتوافق مع التزامات برلين تجاه النظام الأوروبي المشترك للجوء (CEAS) المعدل حديثاً، مشددة على غياب أي نص يُلزم الدولة بتمويل جهات استشارية من خارج هياكلها الرسمية.
بالمقابل، ينظر المنتقدون إلى الخطوة بوصفها تفكيكاً لنظام أُسس عام 2023 لضمان الشفافية. ويرى خبير الهجرة وعالم النفس كارستن شتومبنهورست أن إيكال مهمة التوجيه للمكتب الاتحادي، وهو الجهة ذاتها التي تتخذ القرار النهائي برفض أو قبول الطلبات، يمثل تناقضاً صريحاً.
ويزيد من تعقيد الأمر افتقار العديد من الوافدين للثقة في المؤسسات الرسمية بفعل تجاربهم القاسية مع سلطات بلدانهم الأم.
تحديات إجرائية وتكاليف خفية
يلعب المستشارون المستقلون في الجمعيات والمنظمات دوراً مفصلياً في تهيئة المتقدمين لجلسات الاستماع، خاصة أولئك الذين يحملون صدمات الحرب والتعذيب ويعجزون عن سرد معاناتهم بتسلسل منطقي دون مساعدة مهنية.
وتبرز هنا إشكالية تحديد الفئات “الأكثر ضعفاً” التي استثناها القرار، حيث أوضحت النائبة كلارا بونجر أن عملية اكتشاف وفرز هذه الفئات هي أساساً من صميم المهام القانونية للمنظمات المستقلة، محذرة من أن تعقيدات قوانين اللجوء الأوروبية الجديدة تجعل الحاجة للتوجيه المستقل ضرورة قصوى اليوم.
وتوفر الاقتطاعات الحكومية لخزينة الدولة قرابة 19.5 مليون يورو سنوياً، وهو رقم يعتبره شتومبنهورست ضئيلاً في سياق الموازنة الاتحادية، لكنه قد يُنتج تكاليف أعلى لاحقاً نتيجة ارتفاع احتمالية صدور قرارات خاطئة، وتراكم الدعاوى القضائية، وإطالة فترات الانتظار.
وتأتي هذه التخفيضات كانعكاس مباشر لمناخ سياسي يتسابق فيه الساسة نحو تبني سياسات وإجراءات أكثر صرامة في التعاطي مع ملف الهجرة.
