بدأت حكومة العراق الجديدة ولايتها بتعهد صريح بحصر السلاح بيد الدولة، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ميليشيات مسلحة تملك ترسانة من الصواريخ والمسيّرات ومصانع تحت الأرض، وتخضع لقيادة الحرس الثوري الإيراني.
وأدى رئيس الوزراء علي الزيدي اليمين الدستورية، الخميس، متعهداً بإصلاح المنظومة الأمنية، بينما كانت الفصائل الموالية لطهران تواصل إطلاق مسيّراتها نحو منشآت في دول الخليج، في تصعيد يقول خبراء إنه “مقصود لخلط الأوراق وإفشال مهمة الحكومة في كبح هذه الفصائل كما فشلت سابقاتها”.
وسبق لدول عربية أن دانت هذه الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة من داخل العراق على منشآتها وبنيتها التحتية، معتبرة أنها “خرق للقوانين والمواثيق الدولية وانتهاك صارخ لقرار مجلس الأمن رقم 2817 الصادر عام 2026″، الذي يطالب إيران بوقف فوري وغير مشروط لأي اعتداء أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء.
ويوضح المستشار الأمني السابق في رئاسة البرلمان العراقي مخلد حازم الدرب، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن إطلاق المسيّرات الهجومية من العراق بالتزامن مع تشكيل الحكومة الجديدة يحمل هدفاً واضحاً هو “خلط الأوراق في هذا الوقت الحرج”.
ويقول إن “هناك من يسعى إلى إفشال مهمة الحكومة في كبح هذه الفصائل، كما فشلت الحكومات السابقة”، مضيفاً أن هذه الميليشيات “بسبب ارتباطها العقائدي بإيران لا تأبه بواقع العراق، ولا بانعكاس استهدافها لدول الخليج على علاقاته مع هذه الدول”.
ويصفها بأنها “مركز الدفاع المتقدم لإيران وأدوات التشتيت لها في المعركة”، متوقعاً أن “الأيام المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت وإثبات الوجود وكسر الإرادة بين طهران وواشنطن على الساحة العراقية”.
ترسانة إيرانية تحت الأرض ومصانع صواريخ في جرف الصخر
ويروي الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي علاء النشوع، للموقع نفسه، تاريخ تشكل هذه الميليشيات التي “يعود ظهورها العلني إلى عام 2005، بعد عامين من الاحتلال الأميركي للعراق”، مؤكداً أن “قيادات هذه الفصائل تخضع لقيادة الحرس الثوري الإيراني، ويعملون باسم المستشارين”.
وبرزت هذه الميليشيات بقوة منذ عام 2014 بدعوى مواجهة تنظيم “داعش”، لكنها “لم تكتفِ بالقتال في العراق، بل زحفت نحو دول مجاورة مثل سوريا بحجة مكافحة داعش أيضاً، وتشن هجمات على إسرائيل والقواعد الأميركية بحجة نصرة غزة، وشاركت مؤخراً في استهداف دول الخليج دعماً لإيران”.
ويكشف أنه بعد عام 2017، حين أعلن العراق هزيمة داعش، “تدفقت الأسلحة والمعدات العسكرية الخفيفة والثقيلة بشكل كبير على الميليشيات، ونُقلت صواريخ وطائرات مسيّرة من إيران إلى العراق ومنها إلى دول الجوار، بجانب إنشاء قواعد إيرانية خاصة في جرف الصخر تحتوي على مصانع لإنتاج الصواريخ الميدانية، وقواعد أخرى تحت الأرض أنشأتها شركات يملكها الحرس الثوري”.
واشنطن تشدد الخناق على الميليشيات
على الجانب الأميركي، يرى مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق للشؤون السياسية والعسكرية مارك كيميت أن واشنطن ستصعد “الضربات الجوية الانتقائية” الموجهة بدقة ضد مجمعات الميليشيات وقياداتها، مستبعداً حدوث تدخل عسكري بري.
وفي مسار الضغط المالي، علقت إدارة ترامب في أبريل الماضي شحنة بنحو 500 مليون دولار من أوراق النقد إلى العراق، وهي عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مع تجميد برامج التعاون الأمني وتدريب الجيش العراقي، وربطت استئناف الدعم بوقف هجمات الميليشيات.
وتعد هذه الشحنة الثانية التي يتم تعليقها منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير الماضي. وسبق لوزارة الخزانة الأميركية أن حظرت أكثر من 20 بنكاً عراقياً عامي 2023 و2024 بتهمة تهريب العملة، مؤكدة أن الميليشيات “تستغل النظام المالي العراقي للحصول على الدولار”.
ويعود تمدد هذه الفصائل، وفق تقدير الخبير العراقي، إلى أن إيران “تعتبر العراق مجالها الحيوي في التحرك، وأن هذه الفصائل ذراعها القوي الذي تعتمد عليه في إثارة الفوضى وتهديد المصالح الأميركية في المنطقة، ومنها دول الخليج”.
