اعتراف السفير توم باراك في الدوحة بأن دور أميركا ضامنًا للعالم لم يعد قائمًا ليس زلة لسان، بل شهادة وفاة رسمية لصفقة عمرها ثمانون عامًا، وبداية امتحان عسير لعواصم الخليج
في الرابع عشر من فبراير 1945، على ظهر الطراد الأميركي “كوينسي” الراسي في البحيرة المرة الكبرى في قناة السويس، جلس الرئيس فرانكلين روزفلت إلى الملك عبد العزيز آل سعود. لم يوقّع الرجلان معاهدة، لكنهما أرسيا تفاهمًا غير مكتوب حكم المنطقة ثمانية عقود: نفطٌ يتدفق إلى العالم، ومظلةٌ أميركية تحرس منابعه.
أمس الثلاثاء، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من ذلك الطراد، وقف توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا ومبعوث واشنطن إلى سوريا والعراق، على منصة منتدى الأمن العالمي في الدوحة، ليقول ما لم يجرؤ مسؤول أميركي على قوله بهذا الوضوح: إن أميركا بوصفها ضامنًا للعالم طوال ثمانين عامًا “لم تعد هناك”. وحين سُئل إن كان بوسع دول الخليج أن تواصل الاعتماد على المظلة التي نُصبت بعد الحرب العالمية الثانية، كان جوابه: لا.
ما قاله باراك ليس خبرًا سيئًا بالضرورة، لكنه بالتأكيد خبر نهائي. والعواصم التي ستتعامل معه بوصفه سحابة صيف ستدفع ثمنًا أعلى بكثير من تلك التي تقرؤه بوصفه تغيرًا في المناخ.
صفقة تنتهي بلا مراسم
حرص باراك على تغليف الرسالة. قال إن ما يجري “ليس تخليًا”، بل رسالة لإعادة الاصطفاف، وشبّه الأمر بتربية مراهق لا تكون سهلة أبدًا. وأضاف، بحسب ما نقلته الجزيرة، أن واشنطن لم تعد تريد أن تمتلك المنطقة أو تتحكم فيها، لكنها “لن تغادر”. واستعاد بأسف أن الولايات المتحدة انخرطت في ثلاث وعشرين عملية تغيير أنظمة في الشرق الأوسط الأوسع، وأن كل محاولة من هذا النوع بدت خطأً.
لكن خلف هذه اللغة المهذبة حقيقة صلبة: معادلة “الأمن مقابل النفط” انتهت من الطرف الذي صاغها. وقد عزا باراك نفسه إعادة التقييم إلى تبعات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ تلك الحرب التي ناشدت دول الخليج واشنطن ألا تنخرط فيها، فلم يُستجب لها، ثم كانت هي من تلقى الضربات: قطر والإمارات والسعودية والكويت والبحرين.
هنا تكمن المفارقة الأقسى. فالمظلة لم تُطوَ لأن الخطر تراجع، بل طُويت في ذروته. الحليف الذي قرر الحرب لم يستشر، والحليف الذي دفع ثمنها لم يُحمَ بما يكفي، ثم جاءه من يقول له إن عليه أن يتعلم الاعتماد على نفسه.
من الرياض إلى أنقرة: هندسة جديدة تولد تحت النار
ليست الوقائع على الأرض أقل دلالة من الكلمات. فقبل كلمة باراك بيوم واحد، أعلنت السعودية تأجيل النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار، التي كانت مقررة بين السادس والعشرين والتاسع والعشرين من أكتوبر، إلى عام 2027. والمبادرة ليست مؤتمرًا عاديًا؛ إنها واجهة رؤية 2030، والمنصة التي يأتي إليها كبار ممولي العالم.
جاء التأجيل بعد هجمات حوثية بالصواريخ والمسيّرات أغلقت مطار الملك خالد الدولي في الرياض من الحادي عشر من أكتوبر حتى الثامن عشر منه، وأودت، بحسب “المونيتور”، بحياة أكثر من سبعة عشر شخصًا وأصابت المئات. وفي اليوم التالي لإعادة فتحه وحده أُلغيت 108 رحلات في الرياض، أي قرابة 18 في المئة من الجدول.
وفي أنقرة، قال نائب من حزب العدالة والتنمية لرويترز إن تركيا ستعرض على البرلمان تفويضًا بنشر عسكريين في السعودية، بموجب “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” التي وقعتها مع الرياض وإسلام آباد في أغسطس الماضي، وذلك بعد المصادقة على الاتفاقية التي أُحيلت إلى البرلمان يوم الثلاثاء.
ثاني أكبر جيوش الناتو يتجه جنوبًا، والقوة النووية الإسلامية الوحيدة شريك في المعاهدة. هذه ليست تفاصيل؛ إنها ملامح خريطة أمنية جديدة تُرسم بأقلام إقليمية لأول مرة منذ عقود. وباراك نفسه أشار إلى هذا الحلف بوصفه نموذجًا لما ينبغي أن تبنيه دول المنطقة.
الدوحة تقرأ الرسالة مبكرًا
اللافت أن المنتدى الذي قيلت فيه هذه الكلمات شهد قبلها بيوم مقاربة خليجية تستحق التأمل. فقد دعا الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، نائب رئيس الوزراء وزير الدولة لشؤون الدفاع في قطر، إلى حوار إقليمي يضم دول مجلس التعاون وإيران بمشاركة تركيا وباكستان، يُفضي إلى إجراءات لبناء الثقة واتفاق عدم اعتداء. وأعلن أن بلاده ستكشف قريبًا عن مركز لإنتاج دفاعي محلي بالشراكة مع طرف إقليمي ومع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، مع أولوية للدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات والأمن السيبراني.
وفي هذه المقاربة درسان. الأول أن البديل عن المظلة ليس مظلة أخرى، بل شبكة: شراكات متعددة، وصناعة محلية، ودبلوماسية تقلل عدد الأعداء قبل أن تزيد عدد الصواريخ. والثاني أن الانسحاب من الاعتماد الكامل لا يعني القطيعة؛ فالوزير القطري نفسه قال إن التعاون الدفاعي مع واشنطن ساعد في اعتراض أكثر من تسعين في المئة من الهجمات خلال الحرب.
إذن، المسألة ليست الاختيار بين أميركا وغيرها، بل الانتقال من “الزبون” الذي يشتري الأمن جاهزًا إلى “الشريك” الذي يصنع جزءًا منه بيده.
مخاطر الفراغ وفرص النضج
لكن الطريق ليس معبدًا. فتعدد الحلفاء قد يتحول إلى تعدد ولاءات متنافسة، والقوات الأجنبية، حتى الصديقة منها، تأتي دائمًا بحساباتها الخاصة. واليمن تحديدًا يذكّر بأن الحسم العسكري ليس وصفة مضمونة؛ وقد قال باراك صراحة إن ردود الفعل الحركية “لم تنجح قط”، وإن الانخراط الأميركي في معركة برية سيكون عبثًا. وهو تحذير يصلح للجميع، لا لواشنطن وحدها.
ثم إن الاقتصاد هو الجبهة الخفية. فمشاريع التحول الكبرى في الخليج قامت على فرضية الاستقرار، ورأس المال، كما يقال، جبان. وحين يُؤجَّل مؤتمر بحجم مبادرة مستقبل الاستثمار، فإن الرسالة التي تصل إلى المستثمرين لا تقل خطورة عن صاروخ يسقط على مدرج.
ومع ذلك، ثمة وجه آخر للصورة. فالدول التي بنت خلال عقدين صناديق سيادية عملاقة، وموانئ ومطارات تنافس العالم، تملك من الموارد والخبرة ما يؤهلها لتكون صانعة أمن لا مستهلكة له. وكثير من دول المنطقة بدأ هذا المسار قبل أن يتكلم باراك: تنويع مصادر السلاح، وتوطين الصناعات الدفاعية، والوساطة بدل الاستقطاب.
حين يغادر الحارس الغرفة
في كل علاقة حماية لحظة يكتشف فيها المحمي أن الحارس كان يحرس مصالحه هو أولًا. ليست هذه خيانة، بل طبيعة الأشياء. والمراهق الذي تحدث عنه باراك لا ينضج حين يُترك وحيدًا فجأة، بل حين يدرك أن البيت بيته، وأن الأقفال يجب أن تكون مفاتيحها في جيبه.
