يقود التحول العالمي المتسارع نحو الكهرباء وتنامي استهلاك مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قطاع الطاقة النووية نحو موجة توسع غير مسبوقة خلال العقود المقبلة.
وهذا التوجه يأتي تلبية لحاجة شركات التكنولوجيا والدول إلى تأمين إمدادات كهربائية متواصلة ومستقرة على مدار الساعة، بالتوازي مع خفض الانبعاثات الكربونية وتقليل التعرض لتقلبات أسواق الوقود الأحفوري وصدماتها.
وكشف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في التقرير السنوي الذي قُدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن استخدام الطاقة النووية مرشح لتجاوز ثلاثة أضعاف مستوياته الحالية بحلول عام 2060 وفق السيناريو المرتفع لدى الوكالة، والذي يشترط ضخ استثمارات ضخمة وتسريع بناء المفاعلات.
خارطة المفاعلات الحالية
سجلت البيانات الرسمية الصادرة عن نظام معلومات مفاعلات الطاقة التابع للوكالة الدولية تشغيل 417 مفاعلاً في 31 دولة، إلى جانب 78 مفاعلاً قيد الإنشاء في 17 دولة.
وكان أكثر من 400 مفاعل عامل في أكثر من 30 دولة قد وفروا خلال عام 2025 نحو 10% من إجمالي إنتاج الكهرباء عالمياً، ونحو ربع الكهرباء المنتجة من مصادر منخفضة الكربون، في وقت كانت قائمة المشاريع الجديدة تضم أكثر من 60 مفاعلاً قيد البناء.
رهانات التكنولوجيا وتحدياتها
تتجه أنظار قطاع الطاقة نحو المفاعلات النمطية الصغيرة لتوليد قدرات كهربائية محددة تلائم الطلب المتنامي، غير أن توسيع الاعتماد التجاري عليها لا يزال يواجه قيوداً ترتبط بالتكاليف الاستثمارية، والنضج التقني، واستكمال الأطر التنظيمية.
وأوضحت الوكالة أن هذه المسارات المستقبلية تمثل تقديرات تخضع لسياسات الدول وحجم الاستثمارات وتيرة إحالة المنشآت القديمة إلى التقاعد وإحلال محطات حديثة مكانها، خصوصاً مع عودة الذرة إلى صدارة النقاش بعد عقود من التراجع في بعض البلدان عقب حوادث نووية تاريخية.
اختلالات منظومة عدم الانتشار
يتزامن التوسع في الاستخدام السلمي مع تصاعد المخاطر المحيطة بمنظومة الأمن النووي الدولي؛ إذ حذر غروسي من تداعيات الملف النووي الإيراني، داعياً إلى استئناف المفاوضات وعودة المفتشين الدوليين في أقرب وقت. وأوضح أن العمل الفني الضروري للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي قد أُنجز، مشدداً على وجوب اشتمال أي اتفاق على آلية تحقق واضحة تضمن مباشرة الوكالة لمهامها الرقابية.
وفي السياق ذاته، اعتبر غروسي أن استمرار كوريا الشمالية وزعيمها كيم جونغ أون في تطوير برنامج نووي خارج إشراف الوكالة يشكل تحدياً مباشراً لنظام عدم الانتشار وخرقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تحظر تلك الأنشطة التسليحية.
أزمة زاباروجيا الميدانية
تتصدر محطة زاباروجيا الأوكرانية—الأكبر في القارة الأوروبية—قائمة المخاوف الميدانية الملحة لدى الوكالة الدولية؛ إذ وصف غروسي وضعها بالهش جراء العمليات العسكرية المحيطة بها، وتكرار انقطاعات التغذية الكهربائية الخارجية، ومحدودية مخزونات الديزل المخصصة لتشغيل المولدات الاحتياطية.
وتتابع الوكالة تداعيات النزاع الروسي الأوكراني على سلامة المحطة، تفادياً لفقدان كامل للطاقة يؤثر على أنظمة التبريد الأساسية ومعايير الأمان الإشعاعي داخل المنشأة.
