أصدرت محكمة جنايات دمشق حكماً غيابياً بإعدام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، في قضية تتعلق بالقتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، لتفتح القضية مساراً قانونياً جديداً يتجاوز حدود المحكمة السورية إلى موسكو، حيث يقيم الأسد منذ سقوط نظامه.
وتبرز في القضية معاهدة تسليم المطلوبين والتعاون القضائي الموقعة بين سوريا وروسيا في يونيو 2022، والتي صادق عليها الأسد نفسه خلال فترة حكمه، قبل أن تستكمل روسيا إجراءات التصديق عليها وتدخل حيز التنفيذ في يونيو 2023.
وتسمح المعاهدة، وفق بنودها، بتبادل المطلوبين للمحاكمة أو لتنفيذ الأحكام القضائية، كما تشمل طلبات التسليم المتعلقة بجرائم وقعت قبل دخولها حيز التنفيذ.
وبذلك، يمكن لدمشق الاستناد إلى اتفاقية أبرمها نظام الأسد نفسه عند مطالبة موسكو بتسليمه، رغم أن الحكم الصادر بحقه حالياً يتضمن عقوبة الإعدام، وهي النقطة التي قد تشكل العقبة القانونية الأبرز أمام تنفيذ طلب التسليم.
ماذا تنص المعاهدة؟
تُلزم الاتفاقية روسيا وسوريا، وفق شروط محددة، بتسليم الأشخاص المطلوبين على خلفية جرائم تستوجب عقوبة تصل إلى عام من السجن على الأقل أو عقوبة أشد، شريطة أن يكون الفعل مجرّماً في قوانين البلدين.
وتشمل المعاهدة الجرائم المرتكبة قبل دخولها حيز التنفيذ، ما يعني أن قدم الوقائع المنسوبة إلى الأسد، والتي تعود إلى عام 2011 وما بعده، لا يشكل بحد ذاته سبباً لاستبعاد طلب التسليم.
وفي حال قررت دمشق التحرك رسمياً، يتعين عليها تقديم ملف يتضمن الحكم القضائي ومذكرة القبض وبيانات الشخص المطلوب وتفاصيل الاتهامات والأدلة والنصوص القانونية التي استند إليها القضاء السوري.
الإعدام قد يعطل التسليم
تضع المعاهدة قيداً مهماً أمام تسليم الأسد، إذ تمنح روسيا حق رفض التسليم عندما تكون الجريمة محل الطلب تستوجب عقوبة الإعدام، ما لم تقدم سوريا ضمانات تقبل بها موسكو بعدم تنفيذ العقوبة.
وبالتالي، فإن طلب تسليم الأسد لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه قد يواجه عقبة قانونية مباشرة.
أما إذا قدمت دمشق تعهداً رسمياً بعدم تنفيذ الإعدام، فقد يصبح تسليمه ممكناً من الناحية القانونية، مع بقاء القرار النهائي مرتبطاً أيضاً بالاستثناءات التي تتيحها المعاهدة للدولة المطلوب منها التسليم.
ماذا يحدث إذا عاد الأسد إلى سوريا؟
لا يعني تسليم الأسد، حتى في حال موافقة موسكو، تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه مباشرة.
فالحكم الغيابي يسقط عند القبض على المحكوم عليه أو تسليمه، وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وتبدأ بعد ذلك محاكمة حضورية تتيح للمتهم ممارسة حقه في الدفاع ومناقشة الأدلة والشهود.
وعليه، يمكن أن تطلب دمشق تسليم الأسد لإعادة محاكمته، مع تقديم ضمانات لموسكو بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام، بدلاً من طلب تسليمه لتنفيذ الحكم الغيابي.
تضع القضية اتفاقية 2022 أمام اختبار عملي غير مسبوق. فالنص الذي صادق عليه الأسد خلال حكمه قد تستخدمه السلطات السورية الجديدة للمطالبة بتسليمه ومحاكمته.
ويبقى القرار في يد موسكو، التي ستنظر في مدى استيفاء الطلب السوري للشروط القانونية، وفي الضمانات التي ستقدمها دمشق، إضافة إلى الاستثناءات التي تمنحها المعاهدة لروسيا في حالات تتصل بالسيادة والأمن والمصالح الأساسية.
