كشف أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن الهجمات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي لم تكن رد فعل آنياً على تطورات الميدان، بل كانت “مُبيتة ومخططة لها منذ فترة طويلة”، في وقت انتقد فيه بشدة ما وصفه بـ”الموقف الضعيف تاريخياً” للحلفاء الخليجيين تجاه هذا العدوان الممنهج.
وجاءت تصريحات قرقاش خلال مؤتمر صحافي عقد في دبي الإثنين، لتلقي ضوءاً كاشفاً على طبيعة التهديد الإيراني الذي وصفه بأنه يعكس “توجهاً استراتيجياً مدروساً” يهدف إلى إعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة، متجاوزاً مجرد الردود الانفعالية.
صدمة من ضعف الموقف الجماعي
ولم يخفِ المسؤول الإماراتي استغرابه العميق من أداء دول المجلس الست (السعودية، الإمارات، البحرين، قطر، الكويت، عمان)، قائلاً بحدة: “أتوقع مثل هذا الموقف الضعيف من الجامعة العربية ولا أستغربه، لكنني لا أتوقعه من مجلس التعاون وأستغربه”.
وأضاف قرقاش أنه رغم تقديم دعم لوجستي متبادل بين الدول الأعضاء، فإن “الموقف السياسي والعسكري كان الأضعف تاريخياً بحساب طبيعة الهجوم وطبيعة التهديد الذي ينال الكل”.
واستذكر في هذا السياق الغاية التأسيسية للمجلس عام 1981، والتي كانت “جزءاً أيضاً من أخطار بداية الحرب العراقية الإيرانية وقراءتنا لموضوع تصدير الثورة”، مشيراً إلى أن الدول وقعت اتفاقية دفاع مشترك سنة 2000 يفترض أن تكون درعاً واقياً في مثل هذه الظروف.
فشل ذريع لسياسات الاحتواء
وفي تحليله لجذور الأزمة، أكد قرقاش أن العلاقات مع طهران كانت دوماً “صعبة”، وأن كل دولة خليجية انتهجت سياسة احتواء خاصة بها، سواء عبر الدور الوسيط، أو المشاركة في حقول الطاقة، أو الاتفاقات الاستراتيجية، أو العلاقات التجارية كما هو حال الإمارات. غير أنه جزم بأن “سياسات الاحتواء هذه فشلت فشلاً ذريعا ونحن اليوم أمام مراجعة مهمة”.
ووصف قرقاش شراسة العدوان الإيراني وحماقته بأنها أمور “لم تكن متوقعة”، مما يستدعي قراءة أعمق لسلوك الجمهورية الإسلامية، حتى مع وجود مؤشرات راهنة على التهدئة وانطلاق مفاوضات غير مباشرة بوساطة باكستان لاحتواء الأزمة.
سياق الحرب وتصعيد غير مسبوق
وتعود جذور التصعيد العسكري غير المسبوق في المنطقة إلى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط، والذي ردّت عليه طهران بتنفيذ هجمات صاروخية وبالمسيّرات استهدفت بنى تحتية حيوية ومصالح استراتيجية في دول الخليج وإسرائيل.
ومنذ ذلك الحين، تبنت الإمارات، التي تعد الدولة الأكثر تعرضاً لهذه الهجمات، نبرة هجومية صريحة تجاه طهران، في حين بدا جيرانها أكثر اعتدالاً في التعامل مع الملف.
ووفقاً لتقييمات غربية وإقليمية، اعتمدت إيران في عدوانها على مزيج من الأدوات العسكرية ضمن استراتيجية ضغط واضحة، مستهدفة منشآت طاقة وممرات بحرية حساسة، بما في ذلك مناطق قريبة من مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط العالمية.
ويأتي تحذير قرقاش وسط تداخل معقد للمسارات العسكرية مع الخلافات السياسية والأمنية المتراكمة، داعياً إلى ضرورة المراجعة الجذرية للتعامل مع الخطر الإيراني بعد انهيار فرضية الاحتواء.