تواصل شركات السيارات الصينية تعزيز حضورها في سوق السيارات النرويجية، مستحوذة على حصة متنامية رغم تزايد وتيرة التشكيك بين المستهلكين في هذا البلد الذي يُعد الرائد عالمياً في تبني المركبات الكهربائية.
وتكشف أحدث البيانات أن مبيعات العلامات الصينية، مثل “بي واي دي” و”نيو” و”دونغفينغ”، إلى جانب العلامات المملوكة لكيانات صينية مثل “فولفو” و”بولستار”، قد سجلت نمواً لافتاً، لتشكل نحو 25% من إجمالي تسجيلات السيارات الكهربائية الجديدة في النرويج خلال النصف الأول من العام الحالي، في قفزة ضخمة بعد أن كانت هذه الحصة تكاد تكون معدومة في عام 2019.
قلق من الخصوصية وأمن البيانات
وعلى الرغم من هذا الانتشار، أظهر استطلاع حديث أجرته الرابطة النرويجية للسيارات الكهربائية بين نهاية مارس/آذار وبداية مايو/أيار، وشمل نحو 15 ألف مالك سيارة كهربائية، تنامياً في المخاوف السياسية؛ إذ صرح 31% من المشاركين بأنهم يتجنبون شراء سيارات صينية لأسباب سياسية، مقارنة بـ 23% في استطلاع العام الماضي.
وأرجعت الأمينة العامة للرابطة، كريستينا بو، هذا التوجه إلى طبيعة السيارات الحديثة، واصفة إياها بأنها “حواسيب تسير على عجلات”. وأوضحت في بيان: “مع تزايد الاهتمام بأمن البيانات والخصوصية، من الطبيعي أن يتعاظم قلق المستهلكين بشأن بلد المنشأ وكيفية إدارة تلك البيانات”.
وتستند هذه المخاوف إلى وقائع سابقة؛ فقد رصد باحثون نرويجيون في مجال الأمن السيبراني، قبل سنوات قليلة، قيام سيارة من طراز “نيو” الصينية بنقل بيانات إلى خوادم في الصين. كما أثبتت اختبارات منفصلة على حافلة “يوتونغ” أن الشركة المصنعة تمتلك صلاحيات الدخول إلى نظام التحكم في المركبة، ما يمنحها نظرياً القدرة على إيقافها أو تعطيلها عن بُعد.
وتعليقاً على هذه الازدواجية في سلوك المستهلك، قالت بو: “يبدو أن المستهلكين يقومون بعملية موازنة. فالبعض يعتبر السعر والتكنولوجيا عوامل حاسمة لقراره، في حين تحكم اعتبارات أخلاقية ومخاوف أمنية قرارات شريحة أخرى”.
هيمنة متوقعة بحلول 2027
وتشير تقديرات سابقة للرابطة النرويجية إلى أن العلامات المملوكة للصين انتقلت في غضون سنوات قليلة لتصبح ثاني أكبر مجموعة مصنعة للسيارات في النرويج من حيث بلد المنشأ. ورجح التقرير أن تتجاوز هذه العلامات نظيراتها الأوروبية بحلول عام 2027 في حال استمرار هذا الزخم، لتصبح النرويج بذلك من أولى الأسواق الأوروبية التي يهيمن عليها الصانع الصيني.
ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع النرويج الاستثنائي في سوق السيارات الكهربائية؛ إذ شكلت هذه الفئة 97.8% من إجمالي السيارات الجديدة المسجلة في البلاد خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفقاً لاتحاد الطرق النرويجي (OFV).
ويمثل هذا الرقم فارقاً شاسعاً مقارنة بالاتحاد الأوروبي، حيث لم تتجاوز نسبة السيارات الكهربائية 21.7% من إجمالي التسجيلات الجديدة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب، بحسب بيانات رابطة مصنعي السيارات الأوروبية (ACEA).
توسع صيني موازٍ في أوروبا
ولا يقتصر الزخم الصيني على السوق النرويجية؛ إذ تسجل هذه العلامات تمدداً متسارعاً في أسواق الاتحاد الأوروبي. ففي أغسطس/آب الماضي، قفزت تسجيلات السيارات ضمن خمس مجموعات تضم علامات صينية مدرجة لدى “ACEA” بنسبة 71% مقارنة بالعام السابق، لترتفع حصتها السوقية الإجمالية من 6.6% إلى 10.8%. ويعني ذلك أن سيارة واحدة تقريباً من كل تسع سيارات جديدة مسجلة في الاتحاد الأوروبي تنتمي لهذه المجموعات، والتي تشمل علامات ذات جذور أوروبية مملوكة صينياً مثل “فولفو”.
وتصدرت “ليب موتور” قائمة الشركات الأسرع نمواً في أوروبا بزيادة قدرها 211%، تلتها “شيري” بـ 201%، ثم “بي واي دي” بـ 129%، ومجموعة “جيلي” بنسبة 24%.
“تسلا” تستعيد زخمها بعد تراجع الرفض السياسي
على صعيد متصل، سجلت السيارات المصنعة من شركة “تسلا” الأميركية ارتفاعاً في التسجيلات الأوروبية بنسبة 53%.
وفي النرويج، شهدت العلامة تراجعاً ملحوظاً في نسبة الرفض السياسي لها؛ إذ أظهر استطلاع الرابطة النرويجية انخفاض نسبة من يتجنبون شراء “تسلا” لأسباب سياسية إلى 24%، بعد أن بلغت 43% في العام الماضي، وذلك على خلفية المواقف السياسية لرئيسها التنفيذي إيلون ماسك.
وقالت كريستينا بو: “النشاط السياسي لإيلون ماسك كان طاغياً في العام الماضي وأثار ردود فعل حادة متوقعة، لكن مع تراجع هذا التركيز هذا العام، تضاءلت نسبة المقاطعين لأسباب سياسية”.
ورغم هذه التقلبات، تحافظ “تسلا” على صدارتها كأكثر العلامات مبيعاً للسيارات الجديدة في النرويج، بحصة سوقية تبلغ 17.5% منذ بداية العام وحتى الرابع والعشرين من سبتمبر/أيلول الجاري.
