حذر تقرير حديث صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) من أن التباطؤ الحاد في حركة الملاحة بمضيق هرمز تحول من مجرد توتر إقليمي إلى “صدمة نظامية” تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، مما دفع الأسواق لإعادة تسعير المخاطر بشكل فوري وأثار مخاوف من عودة موجات التضخم التي لم تكن قد انحسرت بالكامل بعد.
وأشار التقرير إلى أن المضيق، الذي يعد شرياناً حيوياً لنقل الطاقة عالمياً، يشهد حالياً حالة من “الاختناق الصامت”، لا تقاس فقط بانخفاض أعداد السفن العابرة، بل بتغير جذري في سلوكيات الأسواق وسلاسل الإمداد، حيث انتقل المستثمرون من مرحلة رصد “المخاطر المحتملة” إلى التعامل مع “الاضطراب المتوقع” كواقع جديد.
من أزمة إقليمية إلى صدمة اقتصادية شاملة
أكدت الوثيقة الأممية أن أهمية هرمز تتجاوز كونه ممراً للطاقة؛ فهو يمثل المفصل الرئيسي بين مراكز الإنتاج والاستهلاك العالمية. وأوضحت أن كل تأخير في عبور برميل نفط أو تأجيل رحلة ناقلة ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع النهائية، محولة الأزمة من حدث جغرافي محدود إلى ضغط خانق على النظام التجاري الدولي بأكمله.
وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط منذ أواخر فبراير الماضي لا يعكس نقصاً فعلياً في المعروض فحسب، بل يجسد “خوفاً متزايداً” من انقطاع الإمدادات، مما أعاد فتح ملف التضخم العالمي الذي كان العالم يحاول احتواءه عبر سياسات التشديد النقدي في السنوات الأخيرة.
تراجع نمو التجارة وانتعاش مؤجل
بعد سنوات من الاضطرابات المتتالية جراء الجائحة والحرب في أوكرانيا، كانت التجارة العالمية تتجه نحو استقرار نسبي، لكن بيانات UNCTAD تشير إلى أن هذا الاستقرار أصبح هشاً ومؤقتاً.
وتتوقع التقارير تباطؤاً ملحوظاً في نمو التجارة العالمية بحلول عام 2026، نتيجة تراكم سلسلة من الصدمات المتداخلة، حيث تحولت كل نقطة توتر جيوسياسي إلى عامل ضغط إضافي يهز فكرة “الانسياب الحر للتجارة”.
واستجابةً لهذه المؤشرات، بدأت الأسواق المالية في إعادة تموضعها بسرعة؛ فتراجعت أسهم الشركات وارتفعت مؤشرات المخاطر الجيوسياسية، في تحول واضح لاستراتيجية المستثمرين من “البحث عن العائد” إلى “البحث عن الأمان”.
ويحمل هذا التحول تبعات خطيرة على الأسواق الناشئة، حيث يؤدي انسحاب رؤوس الأموال إلى ضعف العملات المحلية وارتفاع تكلفة الاقتراض، مما يضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين دعم الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار المالي.
الدول النامية: الأكثر تضرراً من عدم التكافؤ
سلط التقرير الضوء على الأثر غير المتكافئ لهذه الصدمات، مؤكداً أن الدول النامية تقع في خط المواجهة الأمامي للأزمة. وفي حين تمتلك الاقتصادات المتقدمة أدوات مالية واقتصادية لامتصاص الصدمات، تجد الدول النامية نفسها أمام هشاشة مضاعفة ناتجة عن ضعف عملاتها وارتفاع كلفة تمويل ديونها واعتمادها الكبير على الواردات.
وحذر التقرير من أن ارتفاع أسعار الطاقة في هذه البيئات لا يبقى حبيس المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل يتحول سريعاً إلى معاناة يومية للمواطنين تتجلى في:
- ارتفاع تكلفة المعيشة بشكل حاد.
- زيادة الضغط على الخدمات العامة.
- تقلص الهوامش المالية للأسر والشركات الصغيرة.
إدارة الضغط بدلاً من التخطيط الاستراتيجي
وكشف التحليل عن تحول خطير في طبيعة إدارة الأزمات على المستوى العالمي؛ فمع تسارع الأحداث وتراكمها بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات على المعالجة الجذرية، انتقل صناع القرار من طرح سؤال “ما هي الخطة طويلة المدى؟” إلى سؤال أكثر إلحاحاً: “كيف نمنع الانهيار الفوري؟”.
وقدم التقرير مجموعة من التوصيات العاجلة، شملت توفير تمويل طارئ للدول الأكثر تضرراً وتخفيف أعباء الديون، معتبراً أن الأدوات التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع طبيعة الأزمة الحالية التي تبدو بعيدة عن كونها مؤقتة.
الخلاصة: خفض التصعيد ضرورة اقتصادية
اختتم التقرير بالتأكيد على أن احتواء الأزمة في مضيق هرمز دون انزلاق إلى مواجهة أوسع لم يعد مجرد خيار سياسي دبلوماسي، بل أصبح “ضرورة اقتصادية” ملحة.
وشدد على أن الاقتصاد العالمي، رغم ضخامته وتعقيده، ما زال يعتمد على نقاط اختناق جغرافية ضيقة، حيث يكفي تعطّل بضعة كيلومترات مائية لإجبار قارات بأكملها على إعادة حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية من الصفر.