دخلت شركة OpenAI مرحلة جديدة من توسعها في صناعة الذكاء الاصطناعي، بعدما انتقلت خلال سنوات من مختبر أبحاث غير ربحي إلى شركة تملك واحداً من أشهر منتجات الذكاء الاصطناعي في العالم، وتدير استثمارات ضخمة في النماذج الحاسوبية ومراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
وتأسست OpenAI عام 2015 كمنظمة غير ربحية، قبل أن تنشئ عام 2019 ذراعاً ربحية لتمويل توسع عمليات البحث والتطوير. وفي أكتوبر 2025 أعلنت الشركة إتمام إعادة هيكلة مؤسستها، لتصبح الذراع التجارية OpenAI Group PBC، مع احتفاظ OpenAI Foundation بالسيطرة عليها.
من البحث إلى المنتج الجماهيري
شكّل إطلاق ChatGPT نقطة تحول رئيسية في مسار الشركة، إذ نقل استخدام النماذج اللغوية المتقدمة من نطاق المختبرات والشركات المتخصصة إلى جمهور واسع من المستخدمين.
ومنذ ذلك الحين، توسعت OpenAI في تطوير نماذجها ومنتجاتها، ولم تعد ChatGPT مجرد واجهة للمحادثة، بل أصبحت منصة تضم خدمات للمستخدمين والشركات والمطورين، إلى جانب أدوات للبرمجة وتنفيذ المهام المعقدة.
وفي يوليو 2026 أطلقت الشركة عائلة GPT-5.6، التي تضم ثلاثة نماذج هي Sol وTerra وLuna، وقالت إن النماذج الجديدة تستهدف تحسين الأداء في البرمجة والعمل المعرفي والأمن السيبراني والعلوم، مع خفض تكلفة تشغيل بعض المهام مقارنة بالأجيال السابقة.
وتطرح هذه الخطوة اتجاهاً واضحاً في استراتيجية OpenAI: الانتقال من نموذج يقدم إجابات إلى أنظمة تستطيع التعامل مع مهام متعددة المراحل، واستخدام أدوات وموارد مختلفة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
البنية التحتية.. الجانب الأقل ظهوراً في سباق الذكاء الاصطناعي
وراء كل نموذج متقدم بنية حوسبة ضخمة. وتحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة إلى كميات كبيرة من المعالجات ومراكز البيانات والطاقة، سواء خلال مرحلة التدريب أو عند تشغيل النموذج لملايين المستخدمين.
ولهذا وضعت OpenAI البنية التحتية في قلب استراتيجيتها.
وفي يناير 2025 أعلنت الشركة، بالتعاون مع SoftBank وOracle وMGX، مشروع Stargate لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، مع خطة معلنة لاستثمار 500 مليار دولار على مدى أربع سنوات، والبدء بنشر 100 مليار دولار. وتشمل الشراكات التقنية المشروع كلاً من NVIDIA وOracle وMicrosoft وArm إلى جانب OpenAI.
وتقول OpenAI إن مشروع Stargate يستهدف الوصول إلى قدرة حوسبة تبلغ 10 غيغاواط بحلول عام 2029.
وبحسب الشركة، تجاوز المشروع في يناير 2026 منتصف الطريق نحو الهدف المخطط له من حيث القدرة، بينما بدأ موقع أبيلين في ولاية تكساس بالفعل تدريب وتشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، مع استمرار تطوير مواقع أخرى في تكساس ونيو مكسيكو وويسكونسن وميشيغان.
وفي أبريل 2026 قالت OpenAI إن موقع أبيلين يستخدم أنظمة NVIDIA GB200 عبر Oracle Cloud Infrastructure، وإن نموذج GPT-5.5 دُرّب في الموقع.
وتعكس هذه الاستثمارات تحولاً في طبيعة المنافسة داخل القطاع؛ فالتفوق لم يعد مرتبطاً فقط بجودة النموذج، وإنما أيضاً بالقدرة على توفير المعالجة والطاقة ومراكز البيانات اللازمة لتطويره وتشغيله على نطاق واسع.
شراكات ضخمة مع شركات التكنولوجيا
تحتل Microsoft موقعاً رئيسياً في توسع OpenAI، من خلال الشراكة التي وفرت للشركة وصولاً واسعاً إلى البنية السحابية والحوسبة اللازمة لتطوير منتجاتها.
لكن توسع OpenAI في البنية التحتية لم يعد مرتبطاً بشريك واحد.
فمشروع Stargate يجمع OpenAI مع SoftBank وOracle وMGX، فيما تشمل شبكة الشركاء التقنيين NVIDIA وMicrosoft وArm.
وفي يوليو 2025 أعلنت OpenAI وOracle اتفاقاً لتطوير 4.5 غيغاواط إضافية من قدرة مراكز بيانات Stargate في الولايات المتحدة، وقالت الشركتان إن القدرة الإجمالية للمشروع تحت التطوير تجاوزت آنذاك 5 غيغاواط، مع تشغيل أكثر من مليوني شريحة.
تكلفة النمو تضع الشركة أمام اختبار مالي
هذا التوسع يأتي في وقت ترتفع فيه تكلفة المنافسة في الذكاء الاصطناعي.
فبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتطوير النماذج وتشغيلها على نطاق عالمي يتطلب استثمارات ضخمة، بينما تواجه شركات الذكاء الاصطناعي منافسة متزايدة من شركات أميركية وصينية.
وفي أغسطس 2026 أفادت Reuters بأن SoftBank، أحد أكبر داعمي OpenAI، يواجه تدقيقاً متزايداً من المستثمرين بشأن قدرته على تمويل التزاماته في مجال الذكاء الاصطناعي، في ظل ارتفاع الديون وتزايد الحاجة إلى تمويل البنية التحتية. وذكرت الوكالة أن OpenAI تسعى، وفق تقارير، إلى طرح عام أولي قد يرفع قيمتها إلى نحو تريليون دولار، لكن توقيت الطرح لا يزال غير محسوم.
ويضيف هذا التطور بعداً مالياً إلى المنافسة التقنية، إذ تحتاج OpenAI إلى الحفاظ على نموها وفي الوقت نفسه تمويل تكلفة الحوسبة المرتفعة المطلوبة لتطوير أجيال جديدة من النماذج.
GPT-5.6.. التركيز على العمل وليس المحادثة فقط
مع إطلاق GPT-5.6، ركزت OpenAI على استخدام النماذج في المهام المهنية طويلة المدى.
وتقول الشركة إن GPT-5.6 يستطيع التعامل بصورة أفضل مع المستندات والجداول والعروض التقديمية والبرمجة، إضافة إلى قدرات محسنة في استخدام الحاسوب وتنفيذ مهام متعددة.
كما قدمت الشركة نظاماً يسمى ultra، ينسق بين وكلاء متعددين يعملون بالتوازي على مهام مختلفة ضمن المهمة نفسها.
ويشير هذا التطور إلى اتجاه متزايد في القطاع نحو ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، حيث لا يكتفي النظام بإنتاج نص أو إجابة، وإنما ينفذ سلسلة من الخطوات باستخدام الأدوات المتاحة له.
الأمن يواكب ارتفاع القدرات
زيادة قدرات النماذج تفرض في المقابل تطوير أنظمة السلامة والأمن.
وفي النسخة التجريبية من GPT-5.6 Sol، قالت OpenAI إنها عززت إجراءات الحماية الخاصة بالأنشطة عالية الخطورة والطلبات السيبرانية الحساسة، واعتمدت اختبارات ضغط وعمليات red-teaming لاكتشاف نقاط الضعف قبل توسيع الإتاحة.
كما تخصص الشركة جزءاً من استراتيجية تطوير نماذجها لاختبارات الأمن السيبراني والقدرات المرتبطة بالعلوم، وهي مجالات يمكن أن تحمل فوائد اقتصادية وعلمية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تتطلب ضوابط إضافية بسبب إمكانية إساءة الاستخدام.
شركة تتغير مع تغير الصناعة
مسار OpenAI خلال أكثر من عقد يعكس التحول السريع الذي شهدته صناعة الذكاء الاصطناعي.
فالشركة بدأت كمنظمة بحثية تركز على تطوير الذكاء الاصطناعي العام، ثم أصبحت شركة منتجات بعد انتشار ChatGPT، قبل أن تدخل مرحلة جديدة تركز فيها على النماذج المتقدمة والوكلاء والبنية التحتية ومجال الأعمال.
وفي هذه المرحلة، لا تدور المنافسة فقط حول من يطور النموذج الأكثر قدرة، بل حول من يستطيع بناء المنظومة الكاملة حول النموذج: الحوسبة، الرقائق، مراكز البيانات، الطاقة، البرمجيات، المستخدمون، والشراكات التجارية.
وتظهر مشاريع Stargate حجم هذا التحول، إذ تتعامل OpenAI مع البنية التحتية للحوسبة باعتبارها جزءاً أساسياً من قدرتها على تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره.
وبالتزامن مع ذلك، تزداد المنافسة والضغوط المالية والأمنية، ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الشركة على الحفاظ على تفوقها التقني، وتمويل توسعها، وتحويل قدرات النماذج إلى منتجات وخدمات مربحة ومستدامة.
وبذلك، أصبحت قصة OpenAI تتجاوز ChatGPT نفسه. فالشركة باتت جزءاً من سباق عالمي على الحوسبة والرقائق والطاقة والنماذج المتقدمة، فيما يتوقف مستقبلها على قدرتها على إدارة هذا التوسع بالتوازي مع الحفاظ على السلامة والاستدامة المالية.
