عام 2015، وصل مصطفى عبدالأمير إلى فنلندا بعد رحلة شاقة عبر البحر الأبيض المتوسط، حاملاً معه شهادة هندسة وتجربة في إدارة شركة للتسويق الدوائي، لكن من دون وظيفة أو شبكة علاقات أو تصور واضح لما ينتظره في البلد الجديد.
أمضى الأشهر الستة الأولى في غرفة مكتظة داخل أحد مراكز استقبال اللاجئين. كان معتاداً على العمل وإدارة مشروعه في العراق، لكنه وجد نفسه فجأة بلا شيء يشغله.
ويقول إن القائمين على نظام الاندماج أخبروه بأن أفضل وظيفة يمكن أن يحصل عليها هي العمل في مجال التنظيف.
يصف مصطفى تلك المرحلة بالقول: “في نظر نظام الهجرة، لم أكن سوى مجرد رقم”. لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلاً.
بداية التحول
قادته الصدفة إلى منظمة “ستارت أب ريفيوجيز” (Startup Refugees)، التي تعمل في فنلندا على مساعدة اللاجئين في الوصول إلى فرص العمل وريادة الأعمال.
بدأ مصطفى متطوعاً في الترجمة، ثم شارك في فعاليات الأعمال والتواصل التي تنظمها المنظمة، وحصل من خلالها على فرص عمل عدة. وبعد عام، عُين منسقاً مجتمعياً، ثم تدرج في المناصب ليصبح مدير برنامج الأعمال، فرئيساً للبرنامج، وصولاً إلى منصب المدير العالمي.
خلال هذه الفترة، لم يكن مصطفى يساعد لاجئين آخرين على دخول سوق العمل فحسب، بل كان يعيد بناء مسيرته المهنية هو الآخر.

رائد أعمال منذ المراهقة
ويرتبط شغف مصطفى بريادة الأعمال بسنواته الأولى في العراق. ففي الخامسة عشرة، أطلق مشروعاً لتوفير خدمات الإنترنت لأبناء الحي الذي كان يعيش فيه.
لاحقاً، أسس شركته في مجال التسويق الدوائي، قبل أن تجبره الظروف الأمنية على مغادرة العراق عام 2015 هرباً من التجنيد الإجباري لدى إحدى الجماعات المسلحة.
حتى خلال سنوات عمله في فنلندا، ظل يفكر في مشروع جديد. كان يحضر الدورات التدريبية ويعمل في برنامج الأعمال لدى “ستارت أب ريفيوجيز”، وفي الوقت نفسه يطور فكرة شركة يمكن أن تعالج مشكلة يعرفها جيداً.
يقول: “أعتبر نفسي رائد أعمال يسعى دائماً لتلبية احتياجات الناس”.
التعليم بدل الدروس الخصوصية
في عام 2020، تحولت الفكرة إلى شركة. أصبح مصطفى الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لـ”كورسي” (Corrsy)، وهي شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا التعليمية.
تعمل “كورسي” من خلال تطبيق للهواتف المحمولة يقدم ألعاباً ومواد تعليمية لطلاب المدارس، مع التركيز على المناهج المحلية في الشرق الأوسط، بدءاً من العراق.
الفكرة تقوم على الجمع بين المحتوى المتوافق مع المناهج المحلية وبعض مبادئ التعليم الفنلندي، وتقديمه عبر الهاتف كخيار مرن وأقل تكلفة من الدروس الخصوصية التي يعتمد عليها عدد كبير من طلاب المنطقة.
وبذلك وجد مصطفى نفسه أمام مشروع يجمع بين تجربتين: خبرته في ريادة الأعمال من جهة، وتجربته الفنلندية من جهة أخرى.

دعم غيّر المسار
ويؤكد مصطفى أن تأسيس “كورسي” لم يكن ليأخذ شكله الحالي من دون الدعم الذي تلقاه من “ستارت أب ريفيوجيز”.
وفرت المنظمة له ولغيره من رواد الأعمال اللاجئين إرشاداً في مجالات الضرائب والنظام الفنلندي، وساعدتهم على الوصول إلى المستثمرين والمرشدين، كما أتاحت لهم فرصاً لاختبار أفكارهم ومنتجاتهم أمام العملاء.
ويستعيد مصطفى نصيحة تلقاها من أحد المستثمرين، مفادها أن الحصول على التمويل يمثل تحدياً أكبر للاجئ، لأنه لا يمتلك شبكة العلاقات نفسها، ولا يجد بسهولة من يضمنه أو يمنحه الثقة التي توفرها المعرفة السابقة.
التجربة التي عاشها مصطفى أصبحت لاحقاً جزءاً من خبرته المهنية في مساعدة آخرين على تجاوز العقبات نفسها.
وفي عام 2022، تلقت “ستارت أب ريفيوجيز” 570 طلباً، وسجلت 159 شخصاً ضمن برامجها. وأسهمت برامجها، وفق الأرقام الواردة عنها، في تأسيس 69 شركة مرخصة للاجئين في فنلندا، كما ساعد برنامج التوظيف في توفير أكثر من 1500 فرصة عمل للاجئين.
مشروع يعود إلى العراق
بعد سنوات على مغادرته، عاد اسم مصطفى إلى العراق من خلال مشروعه الجديد.
يستخدم تطبيق “كورسي” ومحتواه التعليمي الرقمي 167 ألف طالب في المرحلة الثانوية في العراق، فيما يخطط مصطفى لتوسيع الخدمة إلى دول أخرى في الشرق الأوسط.
اختيار العراق نقطة انطلاق لم يكن منفصلاً عن سيرته. البلد الذي غادره بسبب ظروف أجبرته على البحث عن مكان آخر للعيش والعمل، أصبح السوق الأولى لمشروعه الذي يحاول من خلاله معالجة مشكلة تعليمية تواجه الطلاب هناك.
ولا يخفي مصطفى أن الطريق إلى هذه النقطة كان طويلاً. فمن غرفة مكتظة في مركز استقبال للاجئين، حيث لم يكن يعرف ماذا سيفعل في اليوم التالي، انتقل إلى العمل في منظمة تساعد اللاجئين، ثم إلى تأسيس شركة أصبح تطبيقها مستخدماً من قبل عشرات الآلاف من الطلاب.
واليوم، حين يتحدث عن فنلندا، لا يتذكر فقط المكان الذي بدأ فيه حياته الجديدة، بل الأشخاص الذين ساعدوه في الوصول إليها. يقول: “هناك أشياء كثيرة أحبها في فنلندا، لكن ما أعشقه حقاً هو شعبها؛ لقد قدموا لي دعماً كبيراً دون أن ينتظروا أي مقابل”.
