وفقاً للمعلومات الأولية، نفذ الهجومَ أربعةُ مسلحين مجهولين مساءَ الثالث من فبراير في منزل سيف الإسلام بمدينة الزنتان، التي كانت ملاذَه ومركزَ احتجازِه لسنواتٍ. وقد أكد مكتبُ النائب العام الليبي في بيانٍ رسميٍّ أن الوفاةَ نتجت عن “جروحٍ ناجمةٍ عن طلقاتٍ ناريةٍ”. وأن التحقيقاتِ جاريةٌ لتحديد هوية الجناة وتقديمهم للعدالة. ورغم أنه كان يعيش تحت حمايةٍ خاصةٍ، فإن مقربين منه أفادوا بأنه كان يتوقع اغتيالَه في أي لحظةٍ.
مخاوفُ من الانتقامِ لمقتل سيف الإسلام القذافي
أثار الخبرُ استنكاراً واسعاً لدى أنصاره، خاصةً في قبيلة القذاذفة، وحتى بين بعض خصومه السياسيين. وسارع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى الدعوة لضبط النفس. تحسباً لأي أعمالٍ انتقاميةٍ قد تزيد من تعقيد الوضع الأمني الهش. وحتى الآن، لم تعلن أي جهةٍ مسؤوليتَها عن الجريمة، مما فتح الباب أمام سيلٍ من التكهنات.
من الوريثِ الإصلاحيِّ إلى “العقبةِ” الأخيرةِ
الوجهُ المزدوجُ: بين الإصلاحِ والقمعِ
قبل انتفاضة 2011، كان سيف الإسلام، الحاصل على شهادة الدكتوراه من كلية لندن للاقتصاد، يقدَّمُ بوصفه الوجهَ الإصلاحيَّ للنظام الليبي. قاد مفاوضاتٍ حساسةً مع الغرب، بما في ذلك ملف التخلي عن أسلحة الدمار الشامل وتعويضات لوكربي. ودعا إلى دستورٍ وحقوقٍ للإنسان. لكن مع اندلاع الانتفاضة، تحول إلى أحد أشد المدافعين عن نظام والده. مطلقاً تهديداتِه الشهيرة بـ”أنهارٍ من الدماء”، واصفاً المعارضين بـ”الفئران”.
سنواتُ أسرِ سيف الإسلام القذافي والعودةُ الجدليةُ
بعد سقوط طرابلس، ألقي القبض عليه في نوفمبر 2011 وهو يحاول الفرار إلى النيجر. قضى ست سنواتٍ محتجزاً لدى “كتيبة أبو بكر الصديق” في الزنتان. وصدر بحقه حكمٌ غيابيٌّ بالإعدام من محكمة في طرابلس عام 2015، بالإضافة إلى مذكرة توقيفٍ من المحكمة الجنائية الدولية. أطلق سراحُه بموجب قانون عفوٍ عام 2017، ليعود إلى المشهد بقوةٍ عام 2021 معلناً ترشحَه للانتخابات الرئاسية. هذه الخطوة، كما يرى محللون، كانت أحدَ أبرز أسباب انهيار العملية الانتخابية وتأجيلها لخمس سنواتٍ تاليةٍ. حيث عملت الأطراف المتنافسة في شرق ليبيا وغربها على استبعاده بكل الوسائل.
تداعياتُ الاغتيالِ: تحليلُ المشهدِ السياسيِّ الليبيِّ
من المستفيدُ؟ نظرياتٌ وتكهناتٌ
في غياب تبنٍّ رسميٍّ، تتجه أصابع الاتهام في كل الاتجاهات، ويرى المراقبون أن إزاحة سيف الإسلام. من المشهد ترضي أطرافاً عدةً، داخليةً وخارجيةً. أبرز النظريات المطروحة تشمل:
- جهاتٌ دوليةٌ أو إقليميةٌ: يعتقد أن منفذي الجريمة محترفون يعملون لصالح أجهزة استخباراتٍ. تسعى لتمهيد الطريق لتسويةٍ سياسيةٍ لا مكان له فيها.
- خصومٌ محليون: الأطراف السياسية والعسكرية في طرابلس وبنغازي التي رأت في وجوده عقبةً أمام مشاريعها السياسية وتقاسم السلطة.
- اختراقٌ أمنيٌّ: احتمال وجود خيانةٍ أو اختراقٍ في دائرته الأمنية المقربة، وهو ما يتماشى مع تاريخ الخيانات في الصراع الليبي.
هل يمهد غيابُه الطريقَ للانتخاباتِ؟
هنا تكمن المفارقةُ الكبرى. يرى الباحث جليل حرشاوي، في تحليلٍ نقلته وكالة رويترز. أن “;الأهمية الرمزية” لسيف الإسلام كانت أحد العوامل الرئيسية التي حالت دون المضي في انتخابات 2021. ويضيف: “أما الآن بعد أن لقي حتفه… أزيلت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا”.
هذا التحليلُ يتقاطع مع حقيقة أن الاتصالات الأخيرة التي قادتها البعثة الأممية والمبعوث الأمريكي الخاص مسعد بولس. والتي تهدف إلى ترتيب مصالحةٍ وطنيةٍ تفضي إلى انتخاباتٍ، قد تجنبت تماماً إشراك سيف الإسلام. وبالتالي، فإن اغتيالَه قد يشجع الأطراف المترددة على المضي قدماً في العملية السياسية، باعتباره “تضحيةً” ضروريةً لمتطلبات المرحلة المقبلة.
مستقبلُ “التيار القذافي” ومصيرُ المصالحةِ الوطنيةِ
من الطبيعي أن يفقد التيار الموالي للقذافي الكثيرَ من زخمه وقوته بغياب رمزه الأبرز. مما قد يشتت أنصاره ويضعف تأثيرهم ككتلةٍ سياسيةٍ موحدةٍ. ورغم أن استطلاعات رأي غير رسمية أظهرت تمتعه بتيارٍ شعبيٍّ مهمٍّ عام 2021. فإن هذا التيار يفتقر الآن إلى قائدٍ يلتف حوله.
يبقى السؤال الأهم: هل سيؤدي هذا الاغتيال إلى تسريع المصالحة عبر إزالة “عقبة” رئيسية. أم أنه سيخلق جرحاً جديداً وثأراً مؤجلاً قد ينفجر في المستقبل؟ إن اغتيال شخصيةٍ بهذا الحجم، مهما كان الجدل حولها. يمثل سابقةً خطيرةً قد تكرس منطق التصفية الجسدية كأداةٍ لحل الخلافات السياسية في ليبيا. وهو ما يهدد بنسف أي أساسٍ متينٍ لمصالحةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ ومستدامةٍ.
صفحة جديدة في تاريخ ليبيا السياسي
في النهاية، يطوي اغتيال سيف الإسلام القذافي صفحةً دمويةً ومضطربةً من تاريخ ليبيا. لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحةً جديدةً لا تزال سطورُها بيضاء، ومليئةً بالغموض والمخاطر والفرص. والأيام القادمة وحدها كفيلةٌ بكشف ما إذا كان هذا الحدثُ. سيقود ليبيا نحو الاستقرار المنشود أم إلى دوامةٍ جديدةٍ من العنف.