في الليلة التي تفصل الثلاثاء عن الاثنين من مارس 2026، نفذت إسرائيل عملية استهدافية جديدة في العاصمة الإيرانية طهران. أسفرت عن مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. وقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني، وعشرة قادة آخرين في قوات التعبئة الشعبية . يمثل هذا الاغتيال نقطة تحول حاسمة في الصراع الإسرائيلي الإيراني. حيث استهدف شخصية اعتبرها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس “القائد الفعلي للبلاد” .
من هو علي لاريجاني؟ تاريخ من النفوذ والسلطة
يبلغ علي لاريجاني 67 سنة من العمر، وينتمي إلى عائلة دينية مرموقة في إيران . بدأ مسيرته العسكرية في الحرس الثوري الإيراني، حيث شغل منصب رئيس أركان الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية . انتقل لاريجاني لاحقاً إلى المسار السياسي، ليصبح وزيراً للثقافة والإرشاد الإسلامي من 1992 إلى 2003. ورئيساً لهيئة الإذاعة والتلفزيون من 1993 إلى 2004 .
غير أن أبرز محطات حياته السياسية جاءت عندما تولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بين عامي 2005 و2007. حيث تولى مسؤولية الملف النووي الإيراني الحساس.
كما شغل منصب رئيس البرلمان الإيراني من 2008 إلى 2020. وكان أحد الشخصيات الرئيسية وراء التوقيع على الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015. في عام 2021، كُلِّف بمهمة التفاوض على اتفاقية استراتيجية مدتها 25 سنة مع الصين بقيمة مليارات الدولارات .
رغم محاولته الترشح للرئاسة مرتين، رفض مجلس صيانة الدستور ترشيحه. كما لم يسلم لاريجاني من الاتهامات بالفساد. حيث تورط هو وشقيقه صادق (الذي شغل منصب رئيس السلطة القضائية) في قضايا استيلاء على أراضي والرشوة. وحيازة 63 حساباً مصرفياً شخصياً بقيمة مليارات التومان .
الدور الحاسم الأخير: القائد الفعلي للبلاد
بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في مارس 2026، أوصى خامنئي قبل مقتله أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، أحد أبرز رجاله الموثوقين، بإدارة شؤون البلاد في حالة اغتياله وابنه مجتبى . تولى لاريجاني عملياً إدارة الملفات السياسية والأمنية الحساسة منذ أوائل يناير 2026، عند بدء الاحتجاجات والتهديدات الأمريكية .
أصدر المرشد الراحل توجيهات صارمة للاريجاني وعدد محدود من المقربين السياسيين والعسكريين، بضمان بقاء “الجمهورية الإسلامية” أمام أية ضربات أمريكية أو إسرائيلية . ظهر لاريجاني في مسيرة يوم القدس في طهران قبل اغتياله، مما اعتبره المحللون الإسرائيليون مؤشراً على عدم تحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية .
تفاصيل العملية: دقة استخباراتية وتنفيذ عسكري
كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن اغتيال لاريجاني كان مخططاً لليلة ما بين الأحد والاثنين، لكن تم تأجيله في اللحظة الأخيرة . وصلت معلومات استخباراتية أن المسؤول الإيراني البارز سيصل إلى شقة سرية في العاصمة الإيرانية وليس منزله . استُهدف لاريجاني في الشقة وكان معه ابنه .
في عملية متزامنة، استهدفت إسرائيل قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني في مجمع خيام في طهران، حيث كان يعقد اجتماعاً مع قادة مناطق ومحافظات . استُخدم المقر كمقر مؤقت لتجنب الاستهداف، لكن الاستخبارات الإسرائيلية تمكنت من تحديد الموقع . قُتل مع سليماني 10 قادة آخرين في الباسيج، بينهم نائبه .
المرشد الجديد يرفض التهدئة: استمرار الصراع
أعلن مسؤول إيراني كبير أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لتهدئة التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة . جاء الرفض خلال أول اجتماع للمرشد الجديد بشأن السياسة الخارجية، مما يشير إلى استمرار المواجهة وعدم استعداد القيادة الإيرانية الجديدة للتنازلات .
التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية
انعكس الاغتيال على الأسواق العالمية فوراً، حيث سجلت أسعار النفط قفزة حادة تجاوزت 4 في المائة، مع تداول خام برنت قرب مستويات 105 دولارات للبرميل . تعكس هذه الزيادة مخاوف متزايدة من انهيار سلاسل الإمداد العالمية وإمكانية إغلاق مضيق هرمز .
على الصعيد الدبلوماسي، شددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على ضرورة إيجاد طرق دبلوماسية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، في الوقت الذي يدعو فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحلفاء إلى إرسال سفن حربية إلى هناك لتأمين العبور .
التهديدات المستمرة: لا نهاية للاستهدافات
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن نيته مواصلة استهداف قادة النظام الإيراني، قائلاً: “قلنا سابقاً إننا سنستهدف كل بديل، وسنواصل ملاحقة قادة النظام الإيراني” . أضاف كاتس أن “إسرائيل تعيد إيران عشرات السنوات إلى الوراء” .
حددت إسرائيل أهدافاً إضافية للاستهداف، منها الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان علي قاليباف . كما استهدفت إسرائيل قيادات حركة الجهاد الإسلامي في مدينة قم، بينهم أكرم العجوري قائد سرايا القدس ومحمد الهندي .
الخاتمة: فراغ قيادي وصراع مستمر
يمثل اغتيال علي لاريجاني نقطة تحول حاسمة في الصراع الإسرائيلي الإيراني. فقد كان لاريجاني أكثر من مجرد أمين للمجلس الأعلى للأمن القومي. كان القائد الفعلي للبلاد خلال فترة حرجة من تاريخ إيران. مع رفض المرشد الجديد مجتبى خامنئي لمقترحات التهدئة، يبدو أن إيران مصممة على المواصلة في مسار المواجهة. غير أن الفراغ القيادي الذي خلفه اغتيال لاريجاني قد يؤثر بشكل عميق على قدرة القيادة الإيرانية الجديدة على إدارة الأزمة بفعالية.