لم يعد المرور عبر الحدود الدولية مسألة أوراق رسمية أو ختمٍ على جواز سفر، بل يتجه ليصبح قراراً رقمياً يعتمد على ما تركه المسافر خلفه على الإنترنت. ففي واشنطن، تتحرّك الإدارة الأميركية بخطى متسارعة نحو ربط دخول ملايين الأجانب إلى أراضيها بعملية تدقيق موسّعة في ماضيهم الرقمي، في تحوّل يعدّ من أخطر التغييرات التي طرأت على مفهوم السفر منذ أحداث 11 سبتمبر.
المقترح، الذي ظهر في إشعارات رسمية ضمن السجل الفيدرالي الأميركي، يستهدف بالدرجة الأولى القادمين عبر برنامج الإعفاء من التأشيرة (Visa Waiver Program)، الذي يضم 42 دولة حليفة، ويمرّ من خلاله نحو 17 مليون مسافر سنويًا باستخدام إذن السفر الإلكتروني المعروف باسم ESTA.
من التدقيق الأمني إلى “التقييم الخوارزمي”
بحسب الصيغة المطروحة، لم تعد بيانات وسائل التواصل الاجتماعي خانة اختيارية كما كان الحال منذ عام 2016، بل يجري العمل على جعلها عنصراً إلزامياً في طلبات السفر، إلى جانب توسيع نطاق البيانات المطلوبة لتشمل:
- أسماء المستخدمين على منصات التواصل خلال السنوات الخمس الماضية
- أرقام الهواتف المستخدمة خلال خمس سنوات
- عناوين البريد الإلكتروني خلال عشر سنوات
- بيانات عائلية أساسية
- وفي بعض الحالات، بيانات تقنية إضافية مثل عناوين IP وبيانات مرتبطة بالصور
تقول الحكومة الأميركية إن الهدف هو “تعزيز الأمن القومي” و”تحسين آليات التدقيق المسبق”، إلا أن طبيعة هذا التوسّع تثير تساؤلات أعمق تتجاوز العناوين الرسمية.
فالمسألة لم تعد تتعلّق بتفتيش أمني تقليدي، بل بما يعرف داخل المؤسسات الأميركية باسم Digital Vetting، أي الفحص الرقمي الشامل، باستخدام أنظمة تحليل بيانات وتقييم مخاطر تعتمد على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات.
ما الذي تبحث عنه واشنطن في الماضي الرقمي؟
رسميًا، تركّز الوثائق الحكومية على منع دخول من قد يشكّل “تهديدًا أمنيًا”، أو من يشتبه في دعمه للتطرف أو العنف أو “خطاب الكراهية”. غير أن الإشكالية الكبرى تكمن في غياب تعريف واضح وشفاف لما يعدّ “محتوى مقلقًا”.
تقارير قانونية وإعلامية حذّرت من أن منشورات قديمة، أو تعليقات ساخرة، أو نقاشات سياسية حادّة، قد تقرأ خارج سياقها الزمني أو الثقافي، وتُعاد ترجمتها رقميًا كمؤشرات خطر.
هنا يظهر الدور المحوري للخوارزميات. فأنظمة مثل Automated Targeting System، المستخدمة تاريخيًا من قبل الجمارك وحماية الحدود الأميركية، تعمل كمحرّك دعم قرار، يربط بيانات المسافر بقواعد بيانات متعددة. ومع توسيع نطاق المعلومات، يتزايد الاعتماد على التقييم الآلي، لا البشري.
والسؤال الذي لم يُحسم بعد:
هل تستطيع الخوارزمية فهم السخرية؟
هل تميّز بين الغضب المؤقت والتطرف الحقيقي؟
وهل تأخذ في الاعتبار أن البشر يتغيّرون؟
المفارقة الأخطر: الاختفاء الرقمي ليس حلاً
على عكس ما قد يظنه البعض، فإن “تنظيف الحسابات” أو إغلاقها قبيل السفر لا يوفّر بالضرورة حماية. محامو هجرة وتقارير صحفية حذّروا من أن الاختفاء الرقمي المفاجئ قد يفسَّر بوصفه سلوكًا مريبًا، خاصة إذا تزامن مع تقديم طلب السفر.
في عالم 2025، أصبح غياب الأثر الرقمي بحد ذاته موضع تساؤل. فالشخص الذي لا يترك أثرًا يعد “غير مفهوم” من منظور أنظمة التقييم، تمامًا كمن يترك أثرًا مفرطًا.
وهكذا يجد المسافر نفسه محاصرًا بين خيارين:
الظهور الكامل بما يحمله من مخاطرة التأويل، أو الاختفاء الذي قد يثير الريبة.
اتجاه قديم… لكن بمرحلة أكثر تشددًا
الولايات المتحدة ليست جديدة على هذا المسار. ففي عام 2019، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تحديث نماذج التأشيرات لجمع معرّفات وسائل التواصل الاجتماعي من معظم المتقدمين. الجديد اليوم هو نقل هذا المنطق إلى مسار السفر دون تأشيرة، الذي كان ينظر إليه تاريخيًا بوصفه مسارًا ميسّرًا قائمًا على الثقة المتبادلة.
هذا التحوّل يحمل دلالات سياسية أوسع. فبرنامج الإعفاء من التأشيرة كان امتيازًا بين الولايات المتحدة ودول حليفة. تشديد شروطه قد يترك أثرًا ردعيًا على حركة السفر والسياحة، وهو ما حذّرت منه جهات في صناعة الطيران والسفر داخل أميركا نفسها، بسبب انعكاساته الاقتصادية.
كما يفتح الباب أمام سياسات المعاملة بالمثل، حيث قد تلجأ دول أخرى إلى اعتماد فحوص رقمية مماثلة للمسافرين الأميركيين.
هل أصبح الماضي الرقمي شرطًا للعبور؟
حتى الآن، لا يزال المقترح في مرحلة الإجراءات التنظيمية، مع فترات مفتوحة للتعليق العام. وتواريخ تطبيق محتملة نُقلت عن مصادر إعلامية، من بينها فبراير 2026، وفق ما أوردته تقارير دولية. غير أن الاتجاه العام بات واضحًا: البيانات في طريقها للزيادة، لا للتراجع.
القضية لم تعد “تشديدًا أمنيًا” بالمعنى التقليدي، بل إعادة تعريف شاملة لمعنى الحدود. فبعد أن كانت نقطة جغرافية، تتحوّل اليوم إلى فلتر رقمي يعمل قبل الصعود إلى الطائرة. لم يعد السؤال: هل تحمل تأشيرة صالحة؟ بل:هل يستطيع تاريخك الرقمي، بكل تناقضاته البشرية، أن يمرّ من دون إنذار؟
في هذا العالم الجديد، لم يعد جواز السفر ضمانًا، ولا التأشيرة صك عبور. بات الماضي بكل ما فيه من غضب، وسخرية، وخطأ، وتحوّل جزءًا من قرار سيادي آلي.
ويبقى السؤال الأوسع، الذي يتجاوز أميركا وحدها:
هل يمكن محاسبة البشر على أفكارهم القديمة؟ وهل يمكن لخوارزمية أن تفرّق بين الإنسان والخطر؟