صفاء الشبلي
- “الحشاشين الجدد” و “الإخوان” وجهان لعملة التطرف والإرهاب
- يتشكل كتاب الحشاشين الجدد من خمسة محاور رئيسية:
- التنظيم قبل العقيدة: حين تصبح الجماعة غاية لا وسيلة
- جراءة الجماعات المتطرفة على القتل وسفك الدماء
- صناعة الفدائي
- قدرة الجماعات المتطرفة على ربط مشروعها السياسي بالدين
- التداخل بين المقدس والسياسي في مشروعي حسن الصباح وحسن البنا
- “هندسة الكذب” كآلية دفاع تنظيمي
- صناعة المظلومية.. الطاقة النفسية للتنظيم
- إعادة تعريف اللغة.. السيطرة على المفاهيم
- الشائعة… السلاح المرن للجماعات المتطرفة
- ما الهدف الرئيسي من كتاب “الحشاشين الجدد”
في كتابه “الحشاشين الجدد.. من باطنية الصباح إلى انتهازية البنا“. يُقدم الكاتب والصحفي محمد ربيع الشرقاوي قراءة تحليلية تسعى للربط بين تجربتين تفصل بينهما قرون طويلة. وهما تجربة الحشاشين في القرن الحادي عشر بقيادة حسن الصباح وتجربة جماعة الإخوان المسلمين. التي أسسها حسن البنا في القرن العشرين. ويحاول الكتاب فتح مساحة للتفكير في طبيعة التنظيمات العقائدية، وآليات اشتغالها، وحدود العلاقة بين الإيمان والسياسة.
كما يندرج الكتاب ضمن أدبيات نقد الإسلام السياسي مستدعياً التاريخ الوسيط ليبني عليه قراءة للحاضر. وينطلق الكتاب من قراءة نشأة الحشاشين في قلعة آلموت. حيث نجح حسن الصباح في تأسيس تنظيم صغير عدديًا، لكنه محكم البنية.
أما الفكرة المركزية التي تتردد في صفحات الكتاب يمكن تلخيصها في عبارة يكررها المؤلف بصيغ مختلفة التنظيم العقائدي حين يتحول إلى مشروع سياسي، يعيد إنتاج نمط محدد من التفكير، مهما اختلفت الأزمنة.

“الحشاشين الجدد” و “الإخوان” وجهان لعملة التطرف والإرهاب
يحاول الكاتب أن يعرف معنى “الحشاسين” فهم ليسوا مادة للسخرية. من باب: “يعني شربوا كام سيجارة”، فهم رجال لا يهابون الموت في سبيل تحقيق هدفهم باسم الدين. ولم يكونوا مجرد أسطورة تُحكى عن مجموعة غامضة في جبال آلموت الشهيرة. بل كانوا نموذجاً للتنظيم السري الذي جمع بين الولاء المُطلق للقائد. والتضحية بالنفس والقدرة على التأثير السياسي عبر العنف بعناية.
ويقول الكاتب أن الحشاشين تميزوا بدقة أساليبهم في التخطيط للاغتيالات وفهمهم العميق للدين والسياسة مع استخدام الخرافات لتثبيت سلطة زعمائهم.
ويرصد الكتاب استخدامهم للتخفي والسرية والانتشار عبر خلايا صغيرة لضمان الاستمرارية والقدرة على التأثير. وهي نفس الاستراتيجية التي اعتمدتها جماعة الإخوان المسلمين. عبر بناء شبكة تنظيمية هرمية تمتد على المستوى المحلي والإقليمي. مما جعلها جماعة مستمرة منذ تأسيسها في أربعينيات القرن الماضي.
وفي تقديمه له وصف الكاتب الصحفي محمد الباز الكتاب بأنه رحلة تاريخية للتعرف على جماعة الحشاشين والمعايشة الواقعية التي يضعنا في قلبها من خلال متابعته لجماعة الإخوان، “تؤكدان أننا أمام وجهين لعملة واحدة فالحشاشين والإخوان وجهان لعملة واحدة وهي عملة التطرف والإرهاب واستغلال الدين لأهداف سياسية”.
يتشكل كتاب الحشاشين الجدد من خمسة محاور رئيسية:
التنظيم قبل العقيدة: حين تصبح الجماعة غاية لا وسيلة
يرى الشرقاوي أن حسن الصباح لم يؤسس مجرد دعوة مذهبية. بل بنى تنظيماً “مغلقاً على ذاته، محكماً في طبقاته، قائماً على المعرفة المتدرجة والولاء المتصاعد.
في تحليله لتجربة “آلموت”، يلفت المؤلف إلى أن قوة الحشاشين لم تكن في الانتشار العددي، بل في إحكام الشبكة الداخلية: كل فرد يعرف ما يلزمه فقط، وكل درجة تنظيميّة أعلى من التي تسبقها في المعرفة والسلطة.
وفي أحد مقاطع الكتاب، يشير إلى أن “السرية لم تكن تكتيكاً عابراً”، بل كانت جوهر البقاء.
هذه العبارة المفتاحية يستخدمها الكاتب لاحقاً في مقارنته مع الإخوان. معتبراً أن فكرة “التنظيم الخاص” والبيعة المغلقة تمثلان آلية حديثة للبنية ذاتها: جماعة تعيش داخل المجتمع. لكنها ليست جزءاً منه بالكامل، وهنا يُطرح السؤال متى يتحول التنظيم من أداة لتحقيق فكرة إلى فكرة في حد ذاته؟
الكتاب يلمح إلى أن اللحظة التي يصبح فيها الحفاظ على الجماعة أولوية مطلقة. هي اللحظة التي تبدأ فيها البنية المغلقة في التشكل.
جراءة الجماعات المتطرفة على القتل وسفك الدماء
من أكثر الفصول كثافة في الكتاب، ذلك الذي يتناول الاغتيالات في تجربة الحشاشين. ويستعرض الشرقاوي اغتيال الوزير السلجوقي. بوصفه “حدثاً مدروساً بعناية، هدفه إرباك مركز القرار لا إغراق المجتمع في الفوضى. في تعليق تحليلي لافت، يكتب المؤلف أن “الاغتيال عند الحشاشين لم يكن انفجار غضب، بل إعلان قدرة”.
عند انتقاله إلى التجربة الحديثة، يناقش الكاتب تاريخ “التنظيم الخاص للإخوان. مشيراً إلى أن وجود جناح سري مسلح يعكس تصوراً لدور القوة خارج الأطر السياسية التقليدية. فجماعة الإخوان المسلمين ترى نفسها حاملة لمشروع “خلاص”. ويُعاد تعريف العنف داخلها باعتباره ضرورة أخلاقية، هنا يطرح الكتاب سؤالاً حساساً: هل يختلف العنف حين يُمارس باسم فكرة مقدسة؟
ويقول الكتاب إن التجرؤ على القتل أحد أهم السمات التي تربط جماعة الإخوان المسلمين بطائفة الحشاشين. وهي ظاهرة في أهل التطرف الذين يتفقون ويتحالفون على سفك دم إخوانهم الذين يأكلون ويشربون معهم.
وفي تقرير لدار الإفتاء المصرية في نوفمبر 2014. فإن “الحشاشين” هي المُنظر الفعلي لمفهوم الإرهاب بمفهومه الحديث. حيث أسست مفهوم “الانتحاري الموجه”.

صناعة الفدائي
يتعامل “الحشاشين الجدد” مع شخصية “الفدائي” باعتبارها مفتاح فهم التنظيم فالحشاشي، في السرديات التاريخية، هو شخص مستعد للموت فور صدور الأمر. لكن الشرقاوي لا يكتفي بتكرار الرواية، بل يحللها: كيف يُصنع هذا النموذج؟
وفي أحد أكثر المقاطع تأملاً، يشير الكاتب إلى أن “الطاعة ليست انعدام إرادة. بل إعادة توجيه الإرادة”، فالفرد لا يُلغى بالكامل. بل يُعاد تشكيل وعيه بحيث تصبح طاعته خياراً يبدو له منسجماً مع قناعاته الجديدة.
يستند المؤلف هنا إلى مفاهيم قريبة من علم النفس الاجتماعي. متحدثاً عن “إعادة بناء الهوية داخل الجماعات المغلقة”. حيث يُفصل العضو تدريجياً عن مرجعياته السابقة، ويُدمج في منظومة تفسيرية جديدة.
وفي المقارنة مع تجربة الإخوان، يتوقف الكتاب عند مفهوم التربية”. باعتبارها عملية طويلة الأمد تهدف إلى إنتاج عضو منضبط، يقدم مصلحة الجماعة على أي انتماء آخر.
قدرة الجماعات المتطرفة على ربط مشروعها السياسي بالدين
يرى الشرقاوي أن أخطر ما في التنظيمات العقائدية ليس انضباطها. بل قدرتها على ربط المشروع السياسي بالمقدس، وفي تحليله لتجربة الحشاشين. يشير إلى أنهم قدموا أنفسهم باعتبارهم “حملة” تفسير خاص للحقيقة. وأن طاعتهم مرتبطة بالدين.
وفي تعليقه على ذلك يقول:
“حين تحتكر جماعة ما تأويل النص، فإنها تحتكر المستقبل أيضاً، الفكرة هنا أن احتكار التأويل يمنح التنظيم سلطة معرفية، لا سياسية فقط”.
ومن هذه الزاوية، يناقش المؤلف تجربة الإخوان، معتبراً أن دمج الدعوي بالسياسي يجعل الخلاف السياسي يبدو كأنه خروج عن العقيدة.
ويمثل هذا المحور قلب الكتاب الفكري، فهو لا يتحدث عن وقائع تاريخية فحسب، بل عن بنية ذهنية ترى نفسها ممثلاً حصرياً للحقيقة.
التمكين حصيلة تراكم تنظيمي
في تحليله للتمكين، يقارن الكاتب بين قلعة آلموت بوصفها مركز نفوذ الحشاشين، وبين لحظة وصول الإخوان إلى الحكم بعد 2011، لكنه لا يتعامل مع الأمر بوصفه مجرد حدث سياسي، بل نتيجة لمسار طويل من البناء الداخلي، فالتمكين ليس قفزة مفاجئة، بل حصيلة تراكم تنظيمي.
في هذا السياق، يرى الشرقاوي أن التنظيم العقائدي يتحرك وفق منطق الزمن الطويل: بناء القواعد، التغلغل في المجتمع، انتظار اللحظة المناسبة، وهنا يُلمح إلى أن المفاجأة التي شعر بها كثيرون عند صعود الإخوان إلى السلطة. كانت نتيجة قراءة سياسية قصيرة المدى، بينما كان التنظيم يتحرك وفق حسابات أبعد.
ويقارب الشرقاوي هذه المسألة من زاوية نفسية واجتماعية. معتبرًا أن التنظيمات المغلقة تعمل على بناء هوية بديلة للفرد. بحيث يصبح انتماؤه الجديد هو مرجعيته الأساسية في تفسير العالم.
يناقش الشرقاوي مفهوم “التمكين” باعتباره مرحلة مفصلية في مسار التنظيمات العقائدية
فكما شكلت قلعة “آلموت” مركزًا لنفوذ الحشاشين. يرى الكاتب أن الوصول إلى الحكم في التجربة الحديثة يمثل لحظة اختبار حاسمة لأي تنظيم دعوي سياسي.
وفي المقارنة مع الإخوان، يناقش الكاتب مفهوم “التربية التنظيمية”. باعتبارها عملية طويلة الأمد لإنتاج عضو منضبط، يقدم مصلحة الجماعة على اعتبارات أخرى.
هذه الفكرة تفتح الباب أمام سؤال أوسع:
كيف يتشكل الوعي داخل الجماعات المغلقة؟ وما الحدود بين القناعة الحرة والانضباط التنظيمي؟
التداخل بين المقدس والسياسي في مشروعي حسن الصباح وحسن البنا
الركيزة الأساسية في “الحشاشين الجدد” هي تحليل العلاقة بين الدين والسياسة
يرى المؤلف أن الحشاشين، كما الإخوان، قدموا مشروعًا سياسيًا يستند إلى شرعية دينية، بحيث يصبح التنظيم حاملًا لتفسير خاص للحقيقة.
أما خطورة هذا التداخل – وفقًا للطرح – تكمن في صعوبة الفصل بين النقد السياسي والنقد الديني. إذ يُعاد تأطير الخلاف السياسي بوصفه خلافًا عقائدياً.
في هذا السياق، يطرح الكتاب إشكالية “احتكار التأويل”. حين تتحول الجماعة إلى مرجعية نهائية لأعضائها في فهم النصوص والواقع معًا. غير أن الكتاب لا يكتفي بسرد هذه اللحظة، بل يحاول قراءتها بوصفها نتيجة مسار طويل من البناء الداخلي والتغلغل المجتمعي.
“هندسة الكذب” كآلية دفاع تنظيمي
كيف يفكك “الحشاشين الجدد” صناعة الرواية داخل التنظيمات المغلقة.
وفي أحد أكثر أقسام “الحشاشين الجدد” كثافة وتحليلًا. ينتقل محمد ربيع الشرقاوي من التاريخ والسياسة إلى ما هو أعمق: إدارة الوعي
فالصراع، كما يطرحه الكتاب، لا يدور فقط حول السلطة أو التنظيم، بل حول الرواية ذاتها: من يملك تعريف الحقيقة؟ ومن يعيد ترتيب الوقائع؟

وفي فصلين متكاملين هما “فقه الإخوان في هندسة الأكاذيب” و”كيف تُصنع الشائعة”. يحاول الكاتب تفكيك الآليات التي يرى أنها تُستخدم داخل التنظيمات العقائدية لإنتاج خطاب موازٍ للواقع. خطاب لا يكتفي بتفسير الأحداث، بل يعيد تشكيلها.
ويرى الكاتب أن الجماعات العقائدية المغلقة تميل إلى اعتبار نفسها في حالة صراع دائم مع محيط معادٍ. ومن هذا التصور، يصبح إخفاء الحقيقة” أو إعادة صياغتها وسيلة دفاع مشروعة. وفي تحليله يشير الشرقاوي إلى أن التنظيم حين يشعر بالتهديد، يلجأ إلى خطاب مزدوج- خطاب داخلي تعبوي- يحافظ على تماسك الصف. وخطاب خارجي براغماتي يهدف إلى كسب التعاطف أو تقليل الخسائر
الكتاب يلمّح إلى أن هذه الازدواجية ليست عرضًا طارئًا، بل جزء من ثقافة تنظيمية ترى أن “المصلحة العليا” تبرر إعادة ترتيب الوقائع.
صناعة المظلومية.. الطاقة النفسية للتنظيم
أحد المحاور المركزية في الفصل هو ما يسميه المؤلف “إدارة المظلومية” فبحسب طرحه، تُستخدم فكرة الاضطهاد التاريخي بوصفها أداة تعبئة دائمة، تُعيد تفسير كل مواجهة سياسية باعتبارها اعتداءً على الجماعة لا مجرد خلاف سياسي.
ويرى الكاتب أن هذه السردية تُنتج مناخًا نفسيًا يجعل الأعضاء أكثر استعدادًا للتضحية، وأكثر ميلًا لتصديق الرواية الرسمية للجماعة، حتى لو تعارضت مع معطيات الواقع.
هنا يربط الشرقاوي بين هذا الأسلوب وما سبق أن تناوله في الكتاب عن التنظيمات المغلقة، حيث تصبح “الرواية الداخلية” أهم من الحقيقة الموضوعية.
إعادة تعريف اللغة.. السيطرة على المفاهيم
ويشرح الكتاب ما يسميه المؤلف “إعادة تدوير اللغة” فالتنظيم – وفقًا لتحليله – لا يكتفي بطرح رواية، بل يعيد تعريف مفاهيم مثل: الشرعية، الشهادة، الخيانة والتمكين، بحيث تكتسب هذه الكلمات معنى خاصًا داخل السياق التنظيمي، وبهذه المعاني الجديدة التي صاغتها “الإخوان المسلمين”، فلا يتم فقط “إخفاء الحقيقة”، بل إعادة تشكيل إدراك الأعضاء لها، عبر منظومة لغوية متكاملة.
ويشير الكاتب إلى أن التحكم في المفاهيم هو شكل من أشكال السيطرة المعرفية.
الإعلام كأداة تعبئة لا كمساحة حوار
يناقش الشرقاوي دور المنصات الإعلامية المرتبطة بالجماعة، معتبرًا أنها تعمل وفق منطق تعبوي، لا نقدي، فوظيفتها – كما يراها ليست البحث عن الحقيقة، بل تثبيت السردية التنظيمية.
الشائعة… السلاح المرن للجماعات المتطرفة
إذا كانت الأكذوبة تُبنى بخطة، فإن الشائعة – كما يعرضها الكتاب -هي الأداة الأكثر مرونة، وفي فصل “كيف تُصنع الشائعة”، يقدم الشرقاوي تصورًا لعملية متدرجة
الشائعة تُطلق في أوقات الغموض أو الارتباك، حيث يكون الطلب على التفسير أعلى من توفر المعلومات، وأكثر الشائعات تأثيرًا هي تلك التي تحتوي على جزء صحيح، يُبنى عليه استنتاج مضخم.
وتعي الجماعات المُتطرفة أن الشائعة الناجحة تخاطب الخوف أو الغضب أو الإحساس بالتهديد، لا العقل المجرد، ومن خلال هذه الآليات، تصبح الشائعة أداة لإعادة تشكيل المزاج العام، دون تحمل مسؤولية مباشرة.
ما الهدف الرئيسي من كتاب “الحشاشين الجدد”
في الخلاصة “الحشاشين الجدد” ليس مجرد مقارنة بين جماعتين بل هو محاولة لفهم نمط من التفكير التنظيمي يتكرر في سياقات متعددة
الكتاب في النهاية ليس مجرد مقارنة بين الحشاشين والإخوان، بل محاولة لفهم آليات اشتغال التنظيم العقائدي حين يسعى إلى السلطة
وربما تكون أهم جملة يترك بها القارئ هي تلك الفكرة المتكررة بين السطور:
“التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج بنياته العميقة”.