أكد المدير العام السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أحمد أوزومجو، أن واحدة على الأقل من الوقائع المبلّغ عنها بشأن استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة تحمل مصداقية وتستوجب فتح تحقيق رسمي.
واعتبر أوزومجو، في مقال نشرته “شبكة القيادة الأوروبية” يوم الثلاثاء، أن التقارير الأخيرة المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في كل من السودان وأوكرانيا تبعث على القلق، محذراً من أن خطر لجوء بعض الدول إلى هذه الأسلحة لا يزال قائماً، ومطالباً بالتعامل الجدي مع البلاغات الواردة من السودان والتحقيق فيها دون أن يسمي الواقعة المحددة التي عناها.
ويستمد هذا الموقف ثقله من الخلفية الدبلوماسية والأمنية لكاتبه؛ إذ ترأس أوزومجو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بين عامي 2010 و2018، وقادها إبان فوزها بجائزة نوبل للسلام عام 2013، فضلاً عن عمله السابق ممثلاً دائماً لتركيا لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وجاء نشر المقال عبر “شبكة القيادة الأوروبية”، وهي مؤسسة بحثية وسياسية مستقلة غير حزبية تتخذ من لندن مقراً لها وتُعنى بقضايا الأمن الدولي ونزع السلاح ومنع الانتشار، ويرأس مجلس أمنائها وزير الدفاع البريطاني الأسبق اللورد ديس براون، وتضم في عضويتها قادة ودبلوماسيين ومسؤولين وخبراء أوروبيين.
مصفاة الجيلي وشهادات المسؤولين الدوليين
تقاطعت دعوة أوزومجو مع إفادات سابقة قدمها مسؤولان رفيعان سابقان في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلال ندوة استضافها نادي الصحافة السويسري في 15 سبتمبر الماضي، أكدا فيها أن القرائن المتوفرة تمنح أسباباً معقولة وأدلة قوية للاعتقاد بوقوع هجوم كيميائي واحد على الأقل في السودان.
وشخّص كل من مارك ألبون (المدير السابق لإدارة التعاون الدولي والمساعدة في المنظمة والرئيس السابق لتحقيقات الآلية المشتركة بين الأمم المتحدة والمنظمة)، وروبرت فيروذر (الرئيس السابق لمكتب المدير العام للمنظمة والدبلوماسي البريطاني السابق المختص بملفي السودان وجنوب السودان)، الهجوم الذي شنه الجيش السوداني في سبتمبر 2024 على مصفاة الجيلي شمال الخرطوم باعتباره الحادثة التي تضم أقوى المؤشرات، مطالبين بتحقيق دولي ميداني يكفل دخول المواقع وجمع العينات والاستماع لإفادات الشهود والمصابين.
قنابل الكلور ومسارات التفتيش القانونية
دعمت هذه المعطيات رسالةٌ صاغها مدير برنامج الدراسات العليا للدفاع البيولوجي بجامعة جورج ماسون، غريغوري كوبلنتز، أواخر الشهر الماضي، ونشرها “مركز الحد من التسلح ومنع الانتشار” بتوقيع 18 خبيراً في مجالات الأسلحة الكيميائية والأمن القومي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، بينهم السفير الأمريكي السابق لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية روبرت ميولاك، ورئيس ائتلاف اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية بول ووكر، والمدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح داريل كيمبال، إلى جانب أكاديميين وخبراء تفتيش سابقين.
وأفادت الرسالة بظهور أدلة موثوقة تعزز بقوة الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة إلى السودان في مايو 2025 بشأن استخدام أسلحة كيميائية في النزاع. وكشف الخبراء، استناداً إلى التقارير والمصادر المتاحة، أن الجيش السوداني استخدم أسطوانات معبأة بغاز الكلور في هجومين على الأقل خلال سبتمبر 2024، إلى جانب إنتاجه مخزوناً من القنابل الجوية المصممة لنشر غاز الكلور.
وحددت الوثيقة طبيعة الاستخدام وعدد الوقائع ونوع الذخائر، واضعةً عدة مسارات قانونية وفنية أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقق من الاتهامات، تشمل:
- فتح تحقيق رسمي في الاستخدام المزعوم.
- إرسال بعثة للمساعدة الفنية.
- إخضاع المنشآت السودانية المشتبه بارتباطها بالأسلحة الكيميائية لآلية “التفتيش بالتحدي” بموجب المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وبات ملف الأسلحة الكيميائية في السودان قضية دولية تتشابك فيها العقوبات الأمريكية وضغوط الكونغرس مع التحقيقات الصحفية وشهادات الخبراء، ما يجعل نفي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، غير كافٍ لطي الملف، ويضع قيادة الجيش أمام خيار فتح المواقع والسجلات أمام مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو تحمّل تبعات حجب الأدلة وعرقلة مسار المحاسبة الدولية.
