يتوجه الناخبون الإسرائيليون، اليوم الثلاثاء، إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الكنيست بنسخته السادسة والعشرين.
وتكتسب هذه الجولة الانتخابية أهمية بالغة لكونها الأولى منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة وتوسع المواجهات لتشمل لبنان وإيران، حيث تتشكل ملامح منافسة سياسية شرسة بين المعسكر الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وكتلة المعارضة التي يتزعمها رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت.
سير العملية الانتخابية والإجراءات الميدانية
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، عبر الإذاعة الإسرائيلية الرسمية، بدء عملية التصويت رسميا، حيث شرعت مراكز الاقتراع في استقبال الناخبين ابتداء من الساعة السابعة صباحا بالتوقيت المحلي، على أن تستمر في فتح أبوابها حتى الساعة العاشرة ليلا.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن اللجنة أن نسبة المراكز التي باشرت عملها تجاوزت 95 بالمئة، مقللة من أهمية أي تأخيرات محدودة قد تطرأ في بعض المحطات باعتبارها أمرا مألوفا في ساعات الصباح الأولى.
ويتنافس في هذا السباق 37 تحالفا وحزبا سياسيا، في حين تشير التوقعات إلى إمكانية نجاح 13 قائمة فقط في حجز مقاعد لها تحت قبة البرلمان.
وتزامنا مع ذلك، أكدت وسائل إعلام إسرائيلية رفع قوات الأمن وفرق الطوارئ حالة التأهب إلى درجاتها القصوى في مختلف أنحاء البلاد للتعامل مع أي مستجدات طارئة.
استراتيجيات سياسية وهواجس انتخابية
يخطط حزب الليكود بزعامة نتنياهو لاستباق إعلان النتائج النهائية؛ إذ أوردت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية أن الحزب يعتزم إعلان فوزه المباشر فور ظهور النتائج، شريطة ألا يتمكن المعسكر المعارض بقيادة آيزنكوت من تأمين أغلبية الـ61 مقعدا.
وتبرز في هذه الأثناء مخاوف واسعة داخل معسكر نتنياهو من تأثير أصوات العرب في إسرائيل على طموحاته السياسية، حيث تتصاعد الهواجس من بلوغ نسبة التصويت في الأوساط العربية عتبة 67 بالمئة.
وقد دفع هذا السيناريو أوساط اليمين إلى تكثيف حملات التحريض والتشكيك تحت شعار “يمين أو فلسطين”، في محاولة حثيثة لدرء خطر تراجع الكتلة اليمينية إلى ما دون 50 مقعدا برلمانيا.
كاتس يدعو للحسم الأمني
ووجه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رسالة مباشرة للناخبين، حثهم فيها على التصويت لصالح قائمة حزب الليكود، واضعا إياهم أمام خيارين يتمثلان في تبني عقيدة أمنية هجومية مبادرة تسعى لتحقيق نصر حاسم، أو الرجوع إلى سياسة الاحتواء وضبط النفس.
واعتبر كاتس أن حكومته قفزت بأمن إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة عبر توجيه ضربات لإيران وتحييد تهديدات الإبادة، فضلا عن توسيع النطاق الأمني في كل من غزة وسوريا ولبنان. وشدد على استمرار العمل الدؤوب لتعزيز وتحصين الحدود الشرقية ومنطقة غور الأردن، مشيرا إلى أن قوة الموقف الإسرائيلي تثير قلق أعداء إسرائيل، وفي مقدمتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومطالبا المواطنين بمنح حكومته القوة لمواصلة التحرك لإنجاز المهمة.
ملفات داخلية وخارجية تحدد بوصلة الناخب
تسيطر جملة من القضايا المعقدة على توجهات الناخبين في هذه الدورة، يتصدرها الإخفاق الأمني المرافق لأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ إذ لم تشكل الحكومة أي لجنة تحقيق رسمية رغم مرور ثلاث سنوات على عملية “طوفان الأقصى” التي قادتها حركة حماس وأسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر نحو 250 آخرين.
وأعقبت تلك العملية حرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين التي استشهد فيها ما لا يقل عن 74 ألف مواطن وأحالت معظم القطاع المحاصر إلى ركام.
وإلى جانب الشأن الأمني، تبرز أزمة إعفاء الحريديم من التجنيد، حيث يدافع المؤيدون عن حق اليهود المتشددين دينيا في التفرغ لدراسة التوراة، بينما ينتقد المعارضون هذا الإعفاء بوصفه تحميلا لبقية السكان عبئا عسكريا غير عادل.
كما تستمر مساعي نتنياهو لتقليص صلاحيات المحكمة العليا ضمن حزمة التعديلات القضائية في إحداث انقسام مجتمعي حاد، ففي حين يرى المعارضون أن هذه الخطوات -التي فجرت احتجاجات واسعة قبل الحرب- تهدد الديمقراطية، يصر المؤيدون على أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها.
ويترافق ذلك مع جدلية الأمن والحرب، فبينما يطمح الجمهور الإسرائيلي للاستقرار، فإنه لا يزال يتحفظ على فكرة تقديم أي تنازلات في غزة والضفة الغربية المحتلة ولبنان.
ورغم وعود نتنياهو بـ”النصر المطلق”، لا تزال حركتا حماس وحزب الله تحتفظان بقدراتهما. وتلقي أزمة غلاء المعيشة بظلالها الكثيفة على المشهد، حيث أدى ارتفاع الإنفاق العسكري إلى تفاقم وطأة الأسعار المرتفعة وتدني الأجور، لاسيما مع تضاعف ميزانية الدفاع الإسرائيلية منذ العام 2023، مما زاد الضغط بشدة على المالية العامة.
آلية توزيع المقاعد وتشكيل الحكومة
ويعتمد النظام الانتخابي الإسرائيلي على التصويت للقوائم الحزبية المغلقة، حيث لا يختار الناخب مرشحا بعينه. وتوزع المقاعد البرلمانية بناء على حصة كل حزب من الأصوات على مستوى البلاد؛ فالحصول على 30 بالمئة من الأصوات يترجم إلى نحو 30 بالمئة من المقاعد، مع استبعاد أصوات الأحزاب التي تفشل في تخطي نسبة الحسم، وهو ما يفسر لجوء الأحزاب الصغيرة عادة للاندماج قبيل الانتخابات.
ولا يضمن تصدر النتائج الوصول التلقائي للسلطة، بل يتطلب الأمر تأمين أغلبية 61 مقعدا من أصل 120، وهو رقم لم يسبق لأي حزب أن حصده منفردا.
وعقب إعلان النتائج، يكلف رئيس إسرائيل أحد النواب بمهمة تشكيل حكومة ائتلافية خلال مهلة 28 يوما، قابلة للتمديد 14 يوما إضافيا، وفي حال إخفاق جميع المحاولات، يصار إلى إجراء انتخابات جديدة.
