فجّر مقترح تقدم به وزير داخلية ولاية سكسونيا، أرمين شوستر، جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً في ألمانيا، إثر مطالبته باستبدال الحق الفردي في اللجوء بحصص استقبال سنوية ترتبط بالقدرة الاستيعابية للمدن والبلديات.
وتتزامن هذه التحركات الداخلية مع مساعٍ تقودها الحكومة الألمانية على المستوى الأوروبي لتسريع إجراءات ترحيل المهاجرين وتشكيل قوة تدخل سريع تابعة لوكالة “فرونتكس” لضبط الحدود الخارجية.
مقترح الحصص السنوية وتداعياته القانونية
ويستند المقترح الذي طرحه شوستر، المنتمي للحزب المسيحي الديمقراطي، إلى ضرورة جعل قدرة البلديات على الاستقبال المعيار الحاسم لحجم اللجوء الممنوح، معتمداً على وضع سقف مرن للحصص السنوية بالتوازي مع استمرار الرقابة الحدودية.
ورغم تأكيد الوزير على بقاء حماية الملاحقين سياسياً التزاماً أخلاقياً وتاريخياً مكرساً في الدستور، إلا أن جوهر الخطة يكمن في تحويل اللجوء من حق فردي مطلق إلى منحة تخضع لقرارات سياسية وسقوف رقمية، ما يطرح تساؤلات معقدة حول مصير مستحقي الحماية الذين قد يصلون بعد استنفاد الحصة المقررة.
ولا يقتصر مقترح شوستر المكون من أربع نقاط على نظام الحصص؛ بل يتعداه ليشمل استحداث نظام احتجاز لإجبار طالبي اللجوء المرفوضين على المغادرة إذا امتنعوا عن ذلك طوعاً.
كما تتضمن الخطة المطالبة بتعديل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لتسهيل ترحيل مرتكبي الجرائم الخطيرة، وتشديد شروط التجنيس، وصولاً إلى دراسة إمكانية سحب الجنسية الألمانية من مزدوجي الجنسية المدانين بجرائم جسيمة.
انقسام حزبي ورفض سياسي واسع
واجهت الخطة اعتراضات حادة تجاوزت صفوف المعارضة لتطال الشركاء والحلفاء. فقد أعلنت الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي رفضها القاطع للمقترح، حيث أكدت المتحدثة لشؤون الهجرة والاندماج، رشا نصر، أن الحقوق الأساسية لا تتوقف عند اكتمال حصص الاستقبال، معتبرة أن الفكرة تتعارض مع اتفاق الائتلاف الحاكم وتفتقر للأغلبية البرلمانية.
من جهتها، حذرت رئيسة كتلة الخضر في برلمان سكسونيا، فرانتسيسكا شوبرت، من وضع اللاجئين والمجرمين في سلة واحدة، مشيرة إلى أن هذا الخطاب يخدم اليمين المتطرف، وداعية للتركيز على اندماج العاملين في الولاية.
حتى داخل الحزب المسيحي الديمقراطي، أبدى وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوزيك، تحفظه على التعديلات الدستورية والأوروبية المقترحة، معتبراً إياها غير قابلة للتطبيق على المدى القريب أو المتوسط لغياب الأغلبية البرلمانية المطلوبة.
ويشترط الدستور الألماني (المادة 79) موافقة ثلثي أعضاء البرلمان الاتحادي ومجلس الولايات لتمرير أي تعديل دستوري، ناهيك عن أن تغيير النص المحلي لا يسقط الالتزامات المستندة لاتفاقية جنيف أو الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي توفر مجتمعة مسارات حماية متعددة تمنع الترحيل في حالات الخطر الجسيم.
توجه أوروبي لتعزيز قوة “فرونتكس”
على الصعيد الاتحادي والأوروبي، كشف وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت، خلال اجتماع عقده السبت في ميونيخ ضم 17 وزيراً من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، عن تحرك تقوده حكومة المستشار فريدريش ميرتس لتعزيز القبضة الحدودية.
وطالبت برلين بتأسيس آلية دعم جديدة تتمثل في قوة تدخل سريع تابعة لوكالة “فرونتكس”، لمساعدة الدول التي تتعرض لضغوط هجرة مفاجئة، استلهاماً مما شهدته مدينة سبتة الإسبانية هذا الصيف.
وأكد دوبرينت أن الحكومة الألمانية، التي تضع تشديد سياسة الهجرة على رأس أولوياتها لكبح اليمين المتطرف، تسعى لمنح “فرونتكس” دوراً أكبر في إجراءات إعادة المهاجرين، خاصة عبر دول العبور، وتفعيل “اتفاقية دبلن”.
وفي سياق متصل، تقود ألمانيا تحالفاً يضم الدنمارك، وهولندا، والنمسا، واليونان لتأسيس مراكز ترحيل في دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي لاستقبال طالبي اللجوء المرفوضين.
تأتي هذه التحركات وسط انخفاض حاد في طلبات اللجوء وتراجع أعداد محاولي عبور البحر المتوسط مؤخراً، رغم ارتفاع معدلات وفيات المهاجرين خلال تلك الرحلات، وذلك تزامناً مع سعي التكتل الأوروبي لتفعيل أدوات ميثاق الهجرة واللجوء الذي دخل حيز التنفيذ في يونيو الماضي لتشديد الرقابة وتسريع الاستجابة للطوارئ.
