خاص – 29sec
تحولت الطاقة النظيفة إلى مشروع اقتصادي وصناعي عالمي يتجاوز خفض الانبعاثات، بعدما أصبحت الدول والشركات تتنافس على بناء قدرات جديدة في الطاقة الشمسية والرياح وتطوير البطاريات والشبكات والسيارات الكهربائية والهيدروجين منخفض الانبعاثات.
وأصبح حجم الأموال المتجهة إلى هذه القطاعات مؤشراً على تغير عميق في سوق الطاقة، بعدما تجاوزت الاستثمارات في التقنيات النظيفة الاستثمارات الجديدة في الوقود الأحفوري بفارق كبير.
يحمل هذا التحول أبعاداً تتجاوز حماية المناخ، إذ يرتبط بأمن الطاقة وتقليل الاعتماد على واردات الوقود، وبناء صناعات جديدة وخلق أسواق للبطاريات والمعادن والتقنيات الكهربائية.
وتدفع المنافسة بين الاقتصادات الكبرى هذا المسار إلى الأمام، فيما تحاول دول أخرى اللحاق بالتحول وسط نقص التمويل وارتفاع تكلفة رأس المال وضعف البنية التحتية.
يحمل التحول في المقابل تكلفة بيئية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فبناء محطات الطاقة الشمسية والرياح يحتاج إلى أراضٍ ومعادن وشبكات جديدة، كما تتطلب البطاريات والأنظمة الكهربائية كميات متزايدة من الليثيوم والنحاس والنيكل والكوبالت والغرافيت. وتفرض هذه الاحتياجات تحديات مرتبطة بالتعدين واستخدام الأراضي والمياه وإعادة تدوير المعدات وسلاسل الإمداد.
كيف بدأت فكرة الطاقة النظيفة؟
دفعت أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي الحكومات الصناعية إلى إعادة النظر في اعتماد اقتصاداتها على النفط المستورد، بعدما أظهرت اضطرابات السوق مدى هشاشة إمدادات الطاقة أمام الصدمات السياسية والجيوسياسية. وبدأت دول عديدة آنذاك في زيادة الإنفاق على البحث والتطوير في الطاقة النووية والشمسية والرياح، إلى جانب الاستثمار في كفاءة استهلاك الطاقة.
أضافت قضية تغير المناخ بُعداً جديداً إلى هذا المسار خلال العقود التالية، بعدما توالت الأدلة العلمية على تأثير تراكم غازات الدفيئة في ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس ومستويات سطح البحر.
وتحولت الطاقة تدريجياً من قضية تتعلق بأمن الإمدادات والأسعار إلى واحدة من الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها الحكومات في مواجهة تغير المناخ.
أسس المجتمع الدولي إطاراً أكثر وضوحاً مع بروتوكول كيوتو عام 1997، قبل أن يكتسب التحول زخماً أكبر مع اتفاق باريس للمناخ عام 2015، الذي حدد هدفاً دولياً يتمثل في إبقاء ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصر الارتفاع عند 1.5 درجة.
أعاد اتفاق باريس صياغة العلاقة بين الطاقة والمناخ، إذ أصبح خفض الانبعاثات مرتبطاً بصورة مباشرة بإعادة تشكيل قطاع الكهرباء والنقل والصناعة والمباني، وهي القطاعات التي يعتمد معظمها تاريخياً على الفحم والنفط والغاز.
ماذا تعني الطاقة النظيفة؟
تشمل الطاقة النظيفة مجموعة من المصادر والتقنيات التي تنتج انبعاثات أقل من الوقود الأحفوري، خصوصاً في قطاع الكهرباء. وتأتي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية في مقدمة المصادر المتجددة، بينما تصنف الطاقة النووية في كثير من الدراسات ضمن مصادر الكهرباء منخفضة الانبعاثات رغم اعتمادها على وقود غير متجدد.
تدخل البطاريات وتخزين الكهرباء وشبكات النقل الحديثة والهيدروجين منخفض الانبعاثات ضمن منظومة التحول، لأنها تساعد على تقليل استخدام الوقود الأحفوري أو التعامل مع مصادر متقطعة مثل الشمس والرياح.
يفرض هذا التعريف التمييز بين الطاقة النظيفة والطاقة المتجددة. فالطاقة المتجددة تعتمد على موارد تتجدد طبيعياً، بينما يشير وصف الطاقة النظيفة بصورة أوسع إلى مستوى الانبعاثات والأثر المناخي. وتبقى كل تقنية من هذه التقنيات مرتبطة بآثار بيئية خلال مراحل التصنيع والبناء والتشغيل والتخلص من المعدات.
لماذا تسارع التحول العالمي؟
خفضت التطورات التقنية تكلفة الطاقة الشمسية والرياح بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، ورفعت قدرة الشركات على تنفيذ المشاريع بسرعة وعلى نطاق واسع. وساهم تطور البطاريات والإلكترونيات وأنظمة التحكم في جعل الكهرباء النظيفة أكثر قدرة على المنافسة في أسواق كانت تعتمد تقليدياً على الفحم والغاز.
أضاف العالم نحو 800 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة الجديدة خلال عام 2025، وفق وكالة الطاقة الدولية، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً. واستحوذت الطاقة الشمسية على أكثر من ثلاثة أرباع الإضافات، بينما شكلت طاقة الرياح نحو خمس القدرات الجديدة.
رفعت هذه الإضافات حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى نحو 34% من إنتاج الكهرباء العالمي في 2025، مقارنة بنحو 32% في العام السابق، بينما ظل الفحم أكبر مصدر منفرد لتوليد الكهرباء على مستوى العالم.
تتوقع وكالة الطاقة الدولية استمرار هذا المسار، مع إضافة نحو 4600 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة بين عامي 2025 و2030، على أن تستحوذ الطاقة الشمسية على الجزء الأكبر من هذه الزيادة.
يعكس هذا النمو تغيراً في طبيعة سوق الكهرباء، بعدما انتقلت الطاقة الشمسية والرياح من قطاعات ناشئة تحتاج إلى دعم واسع إلى صناعات تنافسية قادرة على جذب استثمارات ضخمة.
الاستثمار يعيد رسم خريطة الطاقة
بلغت الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة خلال 2026 نحو 3.4 تريليون دولار وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، وذهبت قرابة 2.2 تريليون دولار منها إلى تقنيات الطاقة النظيفة.
تشمل هذه الاستثمارات الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء والتخزين والسيارات الكهربائية وكفاءة الطاقة وغيرها من التقنيات المرتبطة بخفض الانبعاثات. ويعني هذا التفوق أن رأس المال العالمي بدأ يتعامل مع الطاقة النظيفة باعتبارها قطاعاً اقتصادياً طويل الأجل، وليس مجرد استجابة للسياسات المناخية.
عززت أزمات الطاقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة هذا الاتجاه، بعدما أدت اضطرابات أسواق النفط والغاز إلى ارتفاع الأسعار وكشفت المخاطر التي يمكن أن تواجهها الدول شديدة الاعتماد على واردات الطاقة.
تمنح مصادر الطاقة المتجددة بعض الدول فرصة لإنتاج الكهرباء من موارد محلية، ما يقلل الحاجة إلى استيراد الوقود ويعزز أمن الطاقة، خصوصاً عندما تقترن المشاريع بشبكات قوية وأنظمة تخزين قادرة على توفير الكهرباء عند الحاجة.
هل أصبحت الطاقة النظيفة أرخص؟
أصبحت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح البرية من أكثر مصادر الكهرباء الجديدة تنافسية في عدد كبير من الأسواق. وأظهرت بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن أكثر من 90% من مشاريع الطاقة المتجددة على نطاق المرافق التي دخلت الخدمة خلال عام 2025 كانت أقل تكلفة من أرخص بديل جديد يعمل بالوقود الأحفوري في الأسواق نفسها.
بلغ متوسط تكلفة الكهرباء من الطاقة الشمسية الكهروضوئية نحو 44 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة في 2025، فيما سجلت طاقة الرياح البرية نحو 33 دولاراً، وبلغت تكلفة الرياح البحرية نحو 78 دولاراً.
لا تعني هذه الأرقام أن التحول أصبح منخفض التكلفة في كل مراحله، لأن سعر إنتاج الكهرباء يمثل جزءاً واحداً من التكلفة الكلية. وتحتاج الدول التي ترفع حصة الطاقة الشمسية والرياح إلى استثمارات إضافية في شبكات النقل والتوزيع والتخزين وأنظمة إدارة الطلب ومصادر الكهرباء المرنة.
الشبكات أمام اختبار كبير
تحتاج منظومة الكهرباء إلى إعادة تصميم واسعة حتى تستوعب النمو المتسارع في مصادر الطاقة المتجددة. وتنتج محطات الشمس الكهرباء خلال ساعات النهار، بينما يتغير إنتاج الرياح وفق الظروف الجوية، ما يفرض على الشبكات التعامل مع تغيرات كبيرة في حجم الكهرباء المتاحة.
تقدر وكالة الطاقة الدولية وجود أكثر من 2500 غيغاواط من مشاريع الطاقة المتجددة والتخزين ومشاريع الأحمال الكبيرة عالقة في طوابير ربط الشبكات حول العالم.
تحتاج الاستثمارات السنوية في شبكات الكهرباء إلى ارتفاع كبير خلال السنوات المقبلة حتى تتمكن البنية التحتية من مواكبة نمو الإنتاج المتجدد والطلب الجديد الذي تقوده السيارات الكهربائية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتبريد والصناعات التي تتجه إلى استخدام الكهرباء بدلاً من الوقود.
أصبح تطوير الشبكات أحد أهم شروط نجاح التحول، لأن إنتاج الكهرباء النظيفة دون القدرة على نقلها إلى المستهلك يفقد جزءاً كبيراً من قيمتها الاقتصادية.
البطاريات توسع دورها
تلعب البطاريات دوراً محورياً في معالجة مشكلة عدم استقرار إنتاج الشمس والرياح، إذ تسمح بتخزين الكهرباء عندما يكون الإنتاج مرتفعاً وإعادة ضخها إلى الشبكة عندما ينخفض.
أضيف نحو 108 غيغاواط من قدرات تخزين البطاريات على مستوى العالم خلال عام 2025، بزيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق، وفق وكالة الطاقة الدولية.
تقدم البطاريات حلاً فعالاً للتخزين قصير المدى، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جميع احتياجات الشبكات. وتحتاج بعض الأنظمة إلى تخزين يمتد لساعات طويلة أو أيام، ما يدفع الشركات والدول إلى تطوير حلول أخرى تشمل التخزين المائي والهيدروجين والتخزين الحراري وتقنيات التخزين طويلة الأمد.
تفرض صناعة البطاريات نفسها تحديات إضافية، لأنها تعتمد على معادن أصبحت ذات أهمية استراتيجية متزايدة في الاقتصاد العالمي.
المعادن تدخل قلب المنافسة
تحتاج الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية والبطاريات والشبكات إلى كميات كبيرة من المعادن، وفي مقدمتها النحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت والغرافيت.
رفع هذا الطلب أهمية التعدين وسلاسل الإمداد إلى مستوى جديد، وأصبحت الدول تتنافس على تأمين مصادر المعادن وتطوير قدراتها المحلية في استخراجها ومعالجتها وتصنيع المنتجات المرتبطة بها.
يمكن أن يؤدي التعدين إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه والطاقة، كما يمكن أن يؤثر في التربة والتنوع الحيوي ويولد مخلفات تحتاج إلى إدارة دقيقة. وتزداد المخاطر عندما تتركز عمليات الاستخراج أو المعالجة في مناطق محدودة جغرافياً.
تظهر هنا إحدى أكثر مفارقات التحول تعقيداً؛ فالعالم يسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط والغاز، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى زيادة استخراج مجموعة أخرى من الموارد الطبيعية لبناء البنية التحتية للطاقة الجديدة.
ماذا تقدم الطاقة النظيفة للمناخ؟
يسهم التحول في خفض انبعاثات غازات الدفيئة لأن إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح لا يعتمد على احتراق الفحم أو النفط أو الغاز أثناء التشغيل.
تزداد الفائدة عندما تمتد عملية الكهربة إلى النقل والمباني والصناعة، إذ يمكن تشغيل السيارات الكهربائية والمضخات الحرارية وبعض العمليات الصناعية بالكهرباء الناتجة من مصادر منخفضة الانبعاثات، ما يقلل استهلاك الوقود الأحفوري بصورة مباشرة.
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن انتشار الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية والسيارات الكهربائية والمضخات الحرارية منذ عام 2019 ساهم في تجنب نحو 3 مليارات طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً خلال 2025.
لا يقتصر الأثر على المناخ، لأن خفض حرق الفحم والنفط والغاز يقلل أيضاً من ملوثات الهواء التي ترتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب، خصوصاً في المناطق التي تعتمد بصورة كبيرة على محطات الفحم أو الوقود الأحفوري.
يمكن للطاقة المتجددة أيضاً أن تعزز أمن الطاقة عبر زيادة الاعتماد على الموارد المحلية وتقليل الحاجة إلى استيراد الوقود، وهو عامل اكتسب أهمية أكبر بعد اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
الطاقة النظيفة ليست بلا آثار بيئية
تحتاج مشاريع الطاقة الشمسية الكبيرة إلى مساحات من الأراضي، ويمكن أن تؤثر في الأراضي الزراعية أو النظم البيئية إذا اختيرت مواقعها بصورة غير مناسبة. وتواجه مزارع الرياح بدورها تحديات تتعلق بتأثير بعض المشاريع في الطيور والخفافيش والتنوع الحيوي.
تؤثر السدود الكهرومائية في الأنهار والنظم البيئية والمجتمعات المحلية، بينما تحتاج صناعة الألواح الشمسية والبطاريات والتوربينات إلى مواد خام ومياه وطاقة خلال مراحل التصنيع.
تنتظر ملايين الألواح والبطاريات والمعدات مستقبلاً مرحلة نهاية العمر التشغيلي، ما يجعل إعادة التدوير والتخلص الآمن من المعدات جزءاً متزايد الأهمية من سياسة الطاقة النظيفة.
تختلف هذه الآثار بصورة كبيرة من مشروع إلى آخر، ولذلك تعتمد النتيجة البيئية على الموقع والتصميم ومصدر المواد وطريقة التصنيع والإدارة وإعادة التدوير.
تشير تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن الطاقة المتجددة تؤدي دوراً أساسياً في خفض الانبعاثات مقارنة بالوقود الأحفوري، مع وجود آثار بيئية تختلف بحسب التقنية وموقع المشروع وطريقة تنفيذه.
التمويل يحدد سرعة التحول
تواجه الدول النامية تحدياً مختلفاً يتعلق بتكلفة رأس المال. فقد تمتلك الدولة موارد شمسية ورياح ممتازة، لكنها لا تستطيع تنفيذ المشاريع بالسرعة المطلوبة إذا كانت أسعار الفائدة مرتفعة أو المخاطر السياسية والاقتصادية ترفع تكلفة التمويل.
تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن تكلفة رأس المال تمثل عاملاً حاسماً في اقتصاديات مشاريع الطاقة النظيفة في الاقتصادات الناشئة والنامية، ويمكن لتراجع تكلفة التمويل أن يخفض سعر الكهرباء المنتجة بصورة كبيرة.
تتركز نسبة كبيرة من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة في الصين والاقتصادات المتقدمة، بينما تحصل الدول النامية خارج الصين على حصة أقل من التمويل رغم أن الطلب على الكهرباء والطاقة ينمو فيها بسرعة.
تجعل هذه الفجوة التمويلية التحول قضية اقتصادية دولية، لأن تحقيق أهداف المناخ يحتاج إلى استثمارات ضخمة في البلدان التي لا تملك دائماً القدرة المالية على تحمل تكلفتها.
قطاعات يصعب التخلص فيها من الوقود الأحفوري
لا تستطيع الكهرباء النظيفة وحدها حل مشكلة الانبعاثات في جميع القطاعات. وتواجه صناعة الطيران والنقل البحري والصناعات الثقيلة والبتروكيماويات تحديات تقنية تجعل التحول أكثر تعقيداً.
يدفع ذلك الحكومات والشركات إلى تطوير الهيدروجين منخفض الانبعاثات والوقود المستدام واحتجاز الكربون وغيرها من التقنيات التي يمكن أن تستخدم في القطاعات التي يصعب تشغيلها بالكهرباء المباشرة.
لا تزال هذه الحلول تواجه تكاليف مرتفعة وحاجة إلى بنية تحتية جديدة، كما تختلف قدرتها على المنافسة الاقتصادية من قطاع إلى آخر ومن سوق إلى أخرى.
العالم لا يزال بعيداً عن أهداف المناخ
حقق قطاع الطاقة النظيفة تقدماً كبيراً، لكن مستوى التوسع الحالي لا يزال غير كافٍ لتحقيق الأهداف المناخية العالمية وفق تقديرات الأمم المتحدة.
يشير تقرير فجوة الانبعاثات الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن السياسات الحالية والتعهدات المناخية القائمة لا تزال تقود إلى ارتفاع في درجات الحرارة يتجاوز المستويات المستهدفة في اتفاق باريس.
تحتاج الانبعاثات العالمية إلى انخفاضات كبيرة خلال العقد المقبل حتى يصبح الوصول إلى أهداف المناخ أكثر واقعية، ما يعني أن زيادة قدرات الطاقة المتجددة يجب أن تترافق مع خفض استخدام الفحم والوقود الأحفوري وتحسين كفاءة الطاقة وتسريع كهربة النقل والمباني والصناعة.
أين يقف العالم في أغسطس 2026؟
دخل التحول العالمي في قطاع الطاقة مرحلة لم تعد فيها الطاقة النظيفة مجرد قطاع ناشئ، بعدما أصبحت الشمس والرياح والبطاريات والسيارات الكهربائية والشبكات جزءاً أساسياً من خطط الاستثمار والصناعة والطاقة في أكبر الاقتصادات.
سجلت قدرات الطاقة المتجددة مستويات قياسية، وتجاوزت الاستثمارات في التقنيات النظيفة استثمارات الوقود الأحفوري، وانخفضت تكلفة عدد من التقنيات الرئيسية إلى مستويات جعلتها منافسة اقتصادياً لمصادر الكهرباء التقليدية.
يواجه العالم في الوقت نفسه تحديات كبيرة تتعلق بالشبكات والتخزين والتمويل والمعادن وسلاسل الإمداد واستخدام الأراضي، بينما لا تزال الاقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على الفحم والنفط والغاز لتلبية احتياجاتها من الطاقة.
يعني ذلك أن المرحلة المقبلة لن تتعلق فقط ببناء المزيد من محطات الطاقة الشمسية والرياح، وإنما بإعادة بناء النظام الكهربائي نفسه، وتوسيع شبكات النقل، وزيادة قدرات التخزين، وتأمين المعادن، وتطوير الصناعات المحلية، وخفض تكلفة التمويل، وإيجاد حلول للقطاعات التي يصعب تحويلها إلى الكهرباء.
أصبح اتجاه العالم نحو الطاقة النظيفة واضحاً، لكن سرعة التحول ونتائجه ستعتمدان على قدرة الحكومات والشركات والمؤسسات المالية على معالجة هذه العقبات في وقت واحد.
لا يواجه العالم سؤالاً يتعلق بإمكانية بناء اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الطاقة النظيفة، فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التكنولوجيا والاستثمار قادران على دفع هذا التحول إلى الأمام.
ويتمثل التحدي الحقيقي في بناء منظومة تكون نظيفة بدرجة أكبر، وقادرة على توفير الكهرباء بصورة مستقرة، ومقبولة التكلفة، وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري، من دون أن تنقل الأعباء البيئية والاجتماعية إلى مناطق أخرى من العالم.
