الحرس الثوري والحصار والسؤال الذي لا تجيب عنه القوة
الساعة الواحدة والقراءتان
في القرن الثامن عشر قيل عن بروسيا إنها ليست دولة تملك جيشًا، بل جيش يملك دولة. وبعد ثمانية أشهر من الحرب التي بدأت بالضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير، تبدو هذه العبارة القديمة أدق وصف لما تصنعه الحرب في طهران.
فواشنطن تعرف جيدًا كيف تضغط، أما ما تريده بعد أن يتوقف الضغط، فذلك سؤال لم يجب عنه أحد بعد. والمسافة بين الأسلوب والغاية هي القصة الحقيقية لهذا الخريف.
أولًا: هندسة الاستنزاف
لجأت الولايات المتحدة إلى كل أداة تقريبًا دون الغزو البري.
في البحر، أعادت واشنطن فرض حصارها على الموانئ الإيرانية في الرابع عشر من يوليو، بعد انهيار مذكرة التفاهم التي كان يُفترض أن تنهي الحرب. وفي المال، أطلقت وزارة الخزانة أواخر أغسطس ما سمّته «عملية المنبوذ الاقتصادي»، فوسّعت العقوبات لتشمل القطاعات المالية والبحرية والجوية والتقنية سعيًا إلى قطع آخر خيوط إيران مع العالم. وطالت الحملة حتى الطيران المدني، إذ فُرضت عقوبات على سبع وعشرين شركة طيران إيرانية في سبتمبر.
والأرقام تُظهر أن الخنق حقيقي: يقول مسؤولو الخزانة إن إيران توقفت عن تحميل ناقلات النفط وتفريغها بسبب الحصار والعقوبات، وإنه لم يتبقَّ لها خارج الطوق سوى نحو عشرين مليون برميل على متن السفن، أي أقل من استهلاك العالم في يوم واحد. ويذهب وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى أن إيران دخلت «دوامة موت» وستعود إلى طاولة التفاوض.
على الورق، تبدو هذه استراتيجية متماسكة: تجفيف المال، وإتلاف العتاد، والسيطرة على الممرات، ثم ترك الزمن يتكفل بالباقي. وكل أداة منها ترفع كلفة سلوك الحرس دون أن تضع جنديًا أمريكيًا واحدًا على الأرض الإيرانية.
غير أن المعضلة تكمن في افتراض خفي: أن الخصم يحسب الربح والخسارة بالمقياس ذاته.
نظرية الإكراه: الفرق بين الردع والإرغام
ميّز المفكر الاستراتيجي توماس شيلينغ، الحائز على نوبل، بين نوعين من استخدام القوة: الردع، أي منع الخصم من فعل شيء لم يفعله بعد، والإرغام، أي إجباره على التوقف عن فعل يمارسه أو على تغيير سلوكه. ولاحظ شيلينغ أن الإرغام أصعب بكثير؛ لأن الرضوخ يحدث علنًا، فيبدو الخاضع مهزومًا أمام شعبه وخصومه، ويصبح الاستسلام أغلى من الألم نفسه.
وهذا بالضبط ما تطلبه واشنطن من الحرس: أن يتراجع علنًا تحت النار. وحين يكون بقاء المؤسسة قائمًا على صورة الصمود، يصبح التراجع انتحارًا سياسيًا مهما بلغت الكلفة.
ثانيًا: الحرس يتكيّف ولا يتراجع
أمام ذلك كله، غيّر الحرس الثوري تكتيكاته وحافظ على مساره.
في مضيق هرمز صعّد هجماته على الملاحة، فأعلن في السابع عشر من أكتوبر أن ناقلتين محمّلتين بنحو مليوني برميل لكل منهما اشتعلتا بعد اصطدامهما بألغام بحرية، مؤكدًا أن العبور «غير مشروع» دون إذن طهران. وتراجعت حركة النفط عبر المضيق تراجعًا حادًا، من نحو 20.8 مليون برميل يوم الثامن من أكتوبر إلى 2.9 مليون فقط يوم الحادي عشر منه.
والتوقيت ليس صدفة؛ إذ يرى محللون أن طهران تسعى إلى الضغط على الرئيس ترامب عبر رفع أسعار الطاقة قبيل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر. وفي المقابل، رفع الحرس سقف التهديد، فتوعّد على لسان المتحدث باسمه بالرد على أي عدوان أمريكي جديد بأسلحة مختلفة، وبنقل القتال إلى مواقع لم تُضرب بعد.
ولطهران حسابها الخاص للزمن: فالحرب تكلف واشنطن مليارات الدولارات شهريًا، وتنعكس على شعبية الرئيس، والحرس يراهن على نفاد الصبر الأمريكي. أما واشنطن فتقرأ المشهد بالعكس، مقتنعة بأن الحصار والتضخم يعملان لصالحها.
حكومتان تراقبان ساعة واحدة، وكل منهما مقتنعة بأن الوقت في صفها. لكن التاريخ يحذّر من الثقة المفرطة بالتوقيت: ففي مايو قدّرت الاستخبارات الأمريكية أن إيران قادرة على تحمّل الحصار ثلاثة أو أربعة أشهر إضافية قبل أن تواجه ضائقة اقتصادية حادة. مرّت الأشهر الأربعة، ولا يزال النظام قائمًا.
ثالثًا: الخطوة الأخطر: الحرس يختار المرشد
جاء أهم ردود الحرس مبكرًا، ولم يكن في البحر بل في أروقة السلطة.
في فبراير قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وتوقع كثيرون أن يتصدّع النظام. لكنه صمد، والأهم أنه أعاد ترتيب نفسه. ففي الثامن من مارس سمّى مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي خلفًا لوالده. وبحسب مصادر إيرانية رفيعة تحدثت إلى رويترز، فرض الحرس هذا الاختيار لأنه يرى في مجتبى نسخة أكثر طواعية من أبيه ستدعم سياساته، فيما أفاد مسؤول إصلاحي سابق بأن الحرس هدّد المعترضين على تنصيبه.
وتختصر عبارة الباحث أليكس فاتانكا من معهد الشرق الأوسط المعادلة الجديدة: مجتبى مدين بمنصبه للحرس، ولذلك لن يكون «أعلى» كما كان أبوه.
هنا تكمن المفارقة المحرجة للمخطط الأمريكي. فالحرس الثوري تأسس عام 1979 ليحمي ثورة من أعدائها، ثم صنعت حرب الثماني سنوات مع العراق نفوذه الحقيقي. وفي الحربين كانت المعادلة واحدة: كلما اشتد الخطر الخارجي، صار حارس الأسوار أهم من أهل المدينة. لقد قُتل رأس النظام، فخرج الحرس أقوى، بعد أن أُزيح من كانوا يكبحونه.
أثر الالتفاف حول العلم
يعرف علماء السياسة ظاهرة «الالتفاف حول العلم»: حين يتعرض بلد لهجوم خارجي، تتراجع الخلافات الداخلية مؤقتًا ويلتف الناس حول السلطة القائمة، حتى من كان يعارضها. ولا يعني ذلك أن الإيرانيين أحبّوا الحرس فجأة، بل إن الحرب تمنح الأجهزة الأمنية ذريعة مثالية لإسكات أي صوت، وتجعل المعارضة الداخلية تبدو كأنها خيانة في زمن الحرب.
وتجربة العراق في التسعينيات شاهد بليغ: فقد أنهكت العقوبات المجتمع العراقي وأفقرت طبقته الوسطى، لكنها لم تُسقط صدام، بل جعلت المواطن أكثر اعتمادًا على حصص الدولة، والدولة أكثر قبضة على المواطن. وكوبا، المحاصرة منذ ستة عقود، شاهد آخر على أن الحصار قد يُفقر الشعوب دون أن يُسقط الأنظمة.
رابعًا: أربعة طرق من هنا
1. ضربات ما بعد الانتخابات
كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» أن نتنياهو خطط لحملة عسكرية تستمر أيامًا ضد إيران مطلع أكتوبر، لكن العملية أُلغيت بعد اعتراض ترامب. ووفقًا للمصادر، فإن الضربات كانت ستكون أشد من ضربات فبراير، وقد أعدّت إسرائيل بنكًا جديدًا من الأهداف يشمل بنى تحتية مدنية لم تُستهدف من قبل. ونقلت الصحيفة عن مصدر أن استئناف الضربات بعد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية سيناريو «غير مستبعد». ومع إعلان الحرس مسبقًا أن الرد سيمتد جغرافيًا، يصبح التراجع مكلفًا للطرفين. هذا أخطر الطرق الأربعة.
2. الحصار الطويل
لا ضربات كبرى، بل استمرار الحصار والعقوبات والاشتباكات المتقطعة في البحر. وهو الرهان المفضل في واشنطن: أن يتعب الحرس قبل أن ينفد الصبر الأمريكي. لكن التاريخ، من كوبا إلى كوريا الشمالية، لا يبعث على الاطمئنان؛ فالأنظمة المحاصرة تتقن فن البقاء أكثر مما تتقن أي فن آخر.
3. صفقة محدودة
الوساطة لم تمت؛ فقد أكد مسؤول قطري أن جهود الوساطة بين واشنطن وطهران «لم تنقطع»، فيما ناقش الرئيس الإيراني مساعي الوساطة مع قائد الجيش الباكستاني. لكن طهران تشترط أن تنهي واشنطن العقوبات والتهديدات قبل بدء أي مفاوضات. وكان الطرفان قد بلغا مذكرة تفاهم في يونيو انهارت بعد أسابيع، وهو تذكير بأن أي صفقة بلا ثقة لن تعيش أطول من الحادثة التالية في البحر.
وهنا يحضر درس صن تزو، الاستراتيجي الصيني القديم: ابنِ لعدوك المنسحب جسرًا من ذهب. فالخصم المحاصر بلا مخرج يقاتل حتى النهاية، أما من يُترك له باب يحفظ ماء وجهه فقد يخرج منه. والسؤال: هل في الاستراتيجية الأمريكية الحالية أي جسر ذهبي؟
4. التحول من الداخل
الضغط يحرّك موازين القوى داخل إيران فعلًا. ويأمل الخارج عادة أن يصب ذلك في صالح البراغماتيين. لكنه صبّ هذا العام في صالح الحرس، ولا شيء حتى الآن يوحي بأن التحول المقبل سيسير على نحو مختلف.
خامسًا: الرأي الآخر
من الإنصاف القول إن أنصار الاستراتيجية الأمريكية يملكون حججًا جدية: فالحصار حرم الحرس من عشرات المليارات، وأعاق قدرته على تمويل وكلائه الإقليميين، وأظهر للعالم أن إغلاق هرمز له ثمن. ويرون أن الحديث عن صمود الأنظمة المحاصرة يتجاهل أن الاتحاد السوفيتي انهار في النهاية تحت وطأة اقتصاد منهك وسباق تسلح لم يحتمله. ويرى هؤلاء أن الصبر هو السلاح، وأن من يستعجل النتائج يكافئ الخصم على صموده.
وهي حجة قوية، لكن الاتحاد السوفيتي استغرق سبعة عقود لينهار، ولم يسقط بفعل الضربات، بل بفعل تآكل داخلي تزامن مع انفراج خارجي وقيادة إصلاحية في موسكو. أي إن السقوط جاء حين خفّت قبضة الخطر الخارجي، لا حين اشتدت.
السؤال الذي لا تجيب عنه القوة
أثبتت أمريكا أنها قادرة على إيلام الحرس الثوري: إغراق زوارقه، وقتل قادته، وخنق نفطه. لكن للقوة حدودًا. فهي لا تستطيع إقناع الإيرانيين بأن الحرس لم يعد ضروريًا، بل إن كل ضربة تميل إلى إثبات العكس.
الحرب ليست غاية في ذاتها، وإنما هي السياسة ممارَسةً بوسائل أخرى. ولدى واشنطن وسائل وفيرة، أما ما ينقصها فهو الغاية السياسية: تصوّر لإيران التي ينبغي أن تنشأ حين يُرفع الضغط.
وإلى أن يولد هذا التصور، ستظل العاصمتان تنتظر كل منهما أن ترمش الأخرى أولًا. وكلما طال الانتظار تحققت في طهران عبارة بروسيا القديمة: لم تعد دولة تملك جيشًا، بل جيشًا يملك دولة. وحينها لا يدير المدينةَ أهلُها بل الجنود الذين يحرسون أسوارها.
